به خيرٌ له ممَّا فاته من شيء لا يُساوِي جميعُه وأضعافُه مثقالَ ذرةٍ من الإيمان.
الرابع١: أنَّ هذا أمرٌ متوهَّمٌ، فإنَّه قد لا يكون له مالٌ يزكِّيه، ولا قرابةٌ ينفق عليه، أو لا مال ينفق منه على قرابته، فكيف يجوز منع صحة الإسلام المتحقِّق النفع في الدنيا والآخرة خوفًا من حصول هذا الأمر المتوهَّم الذي قد لا يكون له حقيقةٌ أصلًا في حقِّ كثير من الأطفال؟ ولو كان محقَّقًا فهو مجبورٌ بميراثه من أقاربه المسلمين، ومجبورٌ بعزِّ الإسلام، وفوائدِه التي لا يحصيها إلا الله.
ومثال تعطيل هذا النفع العظيم لأجل هذا الضرر المتوهَّم الذي لو كان موجودًا لكان يسيرًا جدًّا= مثال مَن عطَّل منفعة الأكل لِما فيها من تعب تحريك الفم وخسارة المال، وعطَّل منفعة اللُّبس لِما فيها من مفسدة خسارة الثمن وتوسيخ الثياب وتقطيعها! بل الأمر أعظم من ذلك، فلو فُرِض في الإسلام أعظمُ مضرةٍ تقدَّر في المال والبدن٢ لكان هباءً منثورًا بالنسبة إلى مصلحته ومنفعته.
فصل
إذا ثبت هذا فقال الخرقي٣: والصبي إذا كان له عشر سنين، وعقل الإسلام فهو مسلم. فشَرَط لصحة إسلامه شرطين، أحدهما: أن يكون له
(١) في الأصل: «الثالث»، وقد سبق الثالث آنفًا.
(٢) في الأصل: «والبدرة»، والمثبت من هامشه.
(٣) في «المختصر» (١٢/ ٢٧٨ - المغني).
عشر سنين، الثاني: أن يعقل الإسلام.
فأمَّا هذا الثاني فلا خلاف في اشتراطه، فإنَّ الطفل الذي لا يعقل لا يتحقَّق فيه اعتقاد الإسلام، وكلامُه لا عِبرةَ به، فلا يدلُّ على إرادته وقصده.
وأمَّا الشرط الأول، فقال الشيخ في «المغني»١: أكثر المصحِّحين لإسلامه لم يشترطوا ذلك، ولم يحدُّوا له حدًّا من السنين. وهكذا حكاه ابن المنذر عن أحمد (يعني: أنَّه يصح إسلامه من غير تقييدٍ بحدٍّ). وروي عن أحمد: إذا كان له سبع سنين فإسلامه إسلام؛ لأن النبي ﷺ قال: «مُرُوهم بالصَّلاة لسبعٍ» فدلَّ على أنَّ ذلك حدٌّ لأمرهم وصحة عباداتهم فيكون حدًّا لصحة إسلامهم. انتهى.
والمشهور في المذهب أنَّ الصبي إذا عقل الإسلام صحَّ إسلامه من غير اعتبار حدٍّ من السنين٢. والخرقي قيَّده بعشرٍ. وقيَّده غيره بتسعٍ، حكاه أبو عبد الله بن حمدان٣. ونصَّ أحمد في رواية على السبع.
(١) (١٢/ ٢٨٠).
(٢) انظر: «الإنصاف» (٢٧/ ١٢٣ - ١٢٧).
(٣) في «الرعاية الكبرى» نسخة تشستربيتي (٣٥/ب) حيث قال: «وإن عقل صبيٍّ ــ وقيل لعشر سنين، وقيل لتسعٍ ــ صحَّ إسلامه». وفي مطبوعة «الرعاية الصغرى» (ص ٥٩٥) مثله إلا أن فيه: «لسبعٍ». قلتُ: سبع سنين وعشر سنين روايتان مستفيضتان عن الإمام أحمد، وقد بوَّب عليهما الخلال في «الجامع» (١/ ١٠٦ - ١٠٨)، ولم يذكر تسع سنين، ولا ذكره صاحب «الإنصاف». فإما أن «لتسع» وهم من ابن حمدان، وما في مطبوعة «الرعاية الصغرى» تصحيف. وإما أن نسخة «الكبرى» مصحَّفة، وهي التي وقعت للمؤلف ــ وقد نسخت سنة ٧٠٦ ــ أو مثلها.