أحكام أهل الذمة

وذكر مِقْسَمٌ عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ دفع الراية إلى عليٍّ وله عشرون سنةً١. أراد الرَّاية يوم بدرٍ، وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، فهذا يدلُّ على أنَّ إسلامه كان لخمس سنين، فإنَّه إذا كان له يوم بدر عشرون سنة كان بينَه وبينَ المبعث خمس عشرة. ولا يصح أن تكون هذه راية فتح خيبر، لأنَّه يَلزَم أن يكون له وقتَ المبعث سنةٌ واحدةٌ. ولذلك قال مِسعر عن الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ دفع الراية إلى عليٍّ يومَ بدرٍ وهو ابن عشرين سنة٢. قال الحاكم: هذا على شرط البخاري ومسلم.

وأما حديث الأَجلَح، عن عبد الله بن أبي الهُذَيل، عن علي ﵁ قال: ما أعرف أحدًا من هذه الأمة عبَدَ اللهَ بعد نبيِّها غيري، عبدتُّ اللهَ قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة سبعَ سنين= فالأجلح وإن كان صدوقًا، فإنَّه شيعي٣.

  1. (١) أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٦٧) والطبراني في «الكبير» (١/ ١٠٦) من طريق قيس بن ربيع، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم به. وروي من طريق مسعر عن الحكم به كما سيأتي.
  2. (٢) أخرجه الحاكم (٣/ ١١١) ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٠٧).
  3. (٣) وقد وثَّقه ابن معين، ولكن ضعَّفه أكثر أئمة الحديث. وقد اختُلف عليه فيه، فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٣٣٩) من طريق محمد بن فضيل عنه على الوجه الذي ذكره المؤلف. وأخرجه الحاكم (٣/ ١١٢) وابن الجوزي في «الموضوعات» (٦٣٨) من طريق شعيب بن صفوان عنه، عن سلمة بن كُهيل، عن حبَّة بن جُوين، عن علي. وإسناده واهٍ، شعيب والأجلح متكلَّم فيهما، «وأما حبَّة فلا يساوي حبَّة» كما قال ابن الجوزي. وانظر: «تلخيص المستدرك» للذهبي.
    وللحديث طريق آخر من رواية عبَّاد بن عبد الله الكوفي عن علي بنحوه، أخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٣٣٨) وابن ماجه (١٢٠) والحاكم (٣/ ١١١) وغيرهم. قال ابن الجوزي في «الموضوعات» (٦٣٧): «موضوع، المُتَّهم به عبَّاد. قال أحمد: اضرب عليه فإنه حديث منكر». اهـ باختصار. وقد تعقب الذهبي تصحيح الحاكم وأعلَّه بعبَّاد هذا، وقال في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٣٦٨): هذا كذب على علي.
78

وهذا الحديث معلومٌ بطلانه بالضرورة؛ فإنَّ عليًّا ﵁ لم يعبد الله قبل جميع الصحابة سبع سنين بحيث بقي رسول الله ﷺ بعد المبعث سبع سنين لم يستجب له أحدٌ في هذه المدة. هذا معلومٌ بطلانه قطعًا عند الخاصة والعامة١. اللهم إلا أن يريد قبل المبعث، كما كان النبي ﷺ يتعبَّد بغار حراء قبل أن يُوحَى إليه، ومع ذلك فلا يصح هذا، لأنَّه إذا كان قد عبَدَ الله قبل المبعث سبع سنين فلا بدَّ أن يكون في سِنِّ مَن يميِّز عند العبادة، فأقلُّ ما يكون له سبع سنين إذ ذاك، فيكون المبعث قد قام وله أربع عشرة سنةً، وأقام بمكة بعد المبعث ثلاث عشرة، فهذه سبع وعشرون سنة، وكانت بدرٌ في السنة الثانية، فيكون سِنُّه يومَ أخذ الراية ثلاثين إلا سنةً، فيكون ابن عباس ﵄ قد حطَّه من عمره إذ ذاك تسع سنين.

قلت: ولعل لفظه: «صلَّيتُ قبل الناس لسبع سنين»، فقَصُرَت اللام

  1. (١) وذلك ــ كما قال الذهبي ــ «لأنَّ النبي ﷺ مِن أوَّل ما أوحي إليه فقد آمن به خديجة وأبو بكر وبلال وزيدٌ مع عليٍّ، أو قبله بساعات أو بعده بساعات، وعبدوا الله مع نبيِّه، فأين السبع سنين؟! ولعلَّ السمع أخطأ، فيكون أمير المؤمنين قال: عبدتُ الله ولي سبع سنين، ولم يضبط الراوي ما سمع». انتهى من «تلخيص المستدرك» (٣/ ١١٢) بتصرف يسير.
79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي