أحدها١: أنَّه إن سبي مع أبويه فهو على دينهما. وإن سبي مع أحدهما تبع سابيه. وهذه طريقة أبي الخطاب وغيره.
والثانية: أنَّه إن سبي منفردًا تبع سابيه، وإن سبي مع أحد أبويه ففيه روايتان، إحداهما: يتبع سابيه، والثانية: يتبع من سُبي معه. وهي طريقة القاضي وأبي البركات وغيرهما.
الطريقة الثالثة: أن الروايتين في المسألتين أعني إذا سبي مع أبويه أو مع أحدهما. وهذه طريقة ابن أبي موسى.
وقالت المالكية: متى سبي مع أبيه تبعه، وإن سبي منفردًا أو مع أمِّه تبع سابيه.
وقالت الحنفية: إذا سبي الطفل فما دام في دار الحرب فهو على دين أبويه. فإن أُدخل إلى دار الإسلام، فإن كان معه أبواه أو أحدهما فهو على دينهما، ولو مات الأبوان بعد ذلك فهو على ما كان. وإن لم يكن معه واحدٌ منهما حتى دخل دار الإسلام فهو مسلم تبعًا للدار. ولو أسلم أحد الأبوين في دار الحرب فالصبي مسلم بإسلامه. وكذلك لو أسلم في دار الإسلام، ثم سُبي الصبي بعده وصار في دار الإسلام فهو مسلم.
والصحيح في هذه المسائل أنَّه يحكم بإسلامه تبعًا لسابيه مطلقًا ــ وهذا مذهب الأوزاعي٢، وهو إحدى الروايات عن أحمد ــ لأنَّه مولودٌ على
الفطرة، وإنَّما حُكم بكفره تبعًا لأبويه لثبوت ولايتهما عليه. فإذا انقطعت ولايتُهما بالسِّباء عمل مقتضي الفطرة عمَلَها إذ لم يبقَ له معارِض، فكيف يُحكَم بكفره وقد زال حكم الأبويَّة عنه، وهو لم يصف الكفرَ ولم يعرفه؟ وإنَّما كان كافرًا تبعًا لهما، والمتبوع قد زال حكم استتباعه إذ لم يبق له تصرُّفٌ في نفسه، ولا ولايةٌ على ولده.
ومِن هاهنا قال الإمام أحمد ومَن تبعه: إنَّه يُحكم بإسلامه بموت الأبوين، إذ عدمهما أقوى في زوال التبعية من سِبائه١ منفردًا عنهما أو معهما أو مع أحدهما.
فصل
في ذكر نصوص أحمد في هذا الباب٢
قال علي بن سعيد: سمعت أحمد وسئل عن السريَّة في أرض العدو يأخذون صبيانًا، قال: قد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان؛ [إن]٣ كان معهم غَنَمٌ يسوقونه٤، وإن لم يكن معهم غنمٌ فلا أعلم له وجهًا، إلَّا أن يُدفَع إلى بعض الحصون من الروم.
(١) في المطبوع: «سابيه»، خطأ مخالف للأصل.
(٢) من «جامع الخلال»، باب الصغير يؤسر مع أحد أبويه (١/ ٨٢ - ٩٠) ولاءً.
(٣) مستدرك من «الجامع».
(٤) أي: إن كان مع السرية غنم أخذوه من العدوِّ فساقوه، جاز لهم أخذ الصبي الصغير، لأنه سيُسقى من لبن الغنم فلا يهلك.