الفطرة، وإنَّما حُكم بكفره تبعًا لأبويه لثبوت ولايتهما عليه. فإذا انقطعت ولايتُهما بالسِّباء عمل مقتضي الفطرة عمَلَها إذ لم يبقَ له معارِض، فكيف يُحكَم بكفره وقد زال حكم الأبويَّة عنه، وهو لم يصف الكفرَ ولم يعرفه؟ وإنَّما كان كافرًا تبعًا لهما، والمتبوع قد زال حكم استتباعه إذ لم يبق له تصرُّفٌ في نفسه، ولا ولايةٌ على ولده.
ومِن هاهنا قال الإمام أحمد ومَن تبعه: إنَّه يُحكم بإسلامه بموت الأبوين، إذ عدمهما أقوى في زوال التبعية من سِبائه١ منفردًا عنهما أو معهما أو مع أحدهما.
فصل
في ذكر نصوص أحمد في هذا الباب٢
قال علي بن سعيد: سمعت أحمد وسئل عن السريَّة في أرض العدو يأخذون صبيانًا، قال: قد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان؛ [إن]٣ كان معهم غَنَمٌ يسوقونه٤، وإن لم يكن معهم غنمٌ فلا أعلم له وجهًا، إلَّا أن يُدفَع إلى بعض الحصون من الروم.
(١) في المطبوع: «سابيه»، خطأ مخالف للأصل.
(٢) من «جامع الخلال»، باب الصغير يؤسر مع أحد أبويه (١/ ٨٢ - ٩٠) ولاءً.
(٣) مستدرك من «الجامع».
(٤) أي: إن كان مع السرية غنم أخذوه من العدوِّ فساقوه، جاز لهم أخذ الصبي الصغير، لأنه سيُسقى من لبن الغنم فلا يهلك.
وقال المروذي: سئل أبو عبد الله عن الرضيع يؤسر، وليس معهم من يُرضعه، قال: لا يُترَك، يُحمَل ويُطعَم ويُسقَى، وإن مات مات.
وقال يعقوب بن بُختان: سألت أحمد بن حنبل عن الصبي الصغير يؤخذ من بلاد الروم، فلا يكون معهم من يرضعه قال: يحملونه معهم حتى يموت.
وقال إسحاق بن إبراهيم١: سألت أبا عبد الله عن الصبي الصغير الرضيع يُخرَج من بلاد الروم، وليس معهم أحدٌ يُرضعه، أيُخرَج به أو لا يُخرَج به٢؟ قال أبو عبد الله: يُخرَج، فإن مات مات وهو مع المسلمين، وإن عاش عاش ــ فإنَّ الله يرزقه ــ وهو من المسلمين.
قال الخلال٣: روى هذه المسألة عن أبي عبد الله أربعةُ أنفسٍ بخلاف ما قال علي بن سعيد. وما روى علي بن سعيد فأظنُّ أنَّه قولٌ لأبي عبد الله أوَّل، ثم رجع إلى أن يُحمَل ولا يُترَك، وهو مسلم إن مات أو بقي. وهو أشبه بقول أبي عبد الله ومذهبه، لأن الطفل عنده إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم، فكيف يترك مسلم في أيديهم ينصِّرونه؟ والذي أختار من قول أبي عبد الله ما روى عنه الجماعة: أن لا يترك، وبالله التوفيق.
وكذلك الصغار ومن لم يبلغ الإدراك ممن يُسبى، أو يكون هاهنا، فإنَّ الحكم فيهم أن يكونوا مسلمين إذا لم يكن معهم آباؤهم، فإذا كان معهم