مسلم، فلم يَجرِ الحكم بكفره، فالدار فرَّقت بينهما حكمًا كما فرَّقت بينهما حِسًّا.
فإن قيل: فيلزمكم هذا فيما إذا كان الطفل في دار الحرب وأبواه في دار أخرى من دور الحرب غيرها.
قيل: ما دام في دار الحرب فنحن لا نحكم له بحكم الإسلام، ودار الحرب دارٌ واحدةٌ وإن تعدَّدت بلادها، فما دام في دار الحرب فليس لنا عليه حكمٌ، فإذا صار إلى دار الإسلام ظهر حكم الدار في الحال التي لم يكن لأبويه عليه فيها حكمٌ، وكان حكمه فيها حكم من انقطعت تبعيَّته لأبويه، فإنَّه لمَّا صار إلى دار الإسلام كان الحكم عليه، وولايته للمسلمين دون أبويه.
وسِرُّ المسألة: أنَّه حُكِم بإسلامه لتبعيَّة١ الدار في الحال التي لا ولاية لأبويه عليه فيها.
فصل
الجهة الرابعة: تبعيَّة الدار، وذلك في صورٍ:
إحداها: هذه الصورة التي نصَّ عليها أحمد.
الثانية: اختلاط أولاد المسلمين بأولاد الكفار على وجهٍ لا يتميَّزون، قال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في رجلٍ مسلم ونصراني في دار
(١) في المطبوع: «حُكم بتبعية»، سقط: «إسلامه لـ».
ولهما أولادٌ، فلم يُعرَف ولد النصراني من ولد المسلم؟ قال: يُجبَرون على الإسلام١.
الثالثة: الالتقاط: فكلُّ لقيط وُجِد في دار الإسلام فهو مسلم. وإن كان في دار الكفر ولا مسلمَ فيها فهو كافر. وإن كان فيها مسلم فهل يُحكَم بإسلامه أو يكون كافرًا؟ على وجهين. هذا تحصيل مذهب أحمد٢.
وقال أصحاب مالك٣: كلُّ لقيط وُجِد في قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى الشرك وأهل الذمة ومواضعهم فهو مشركٌ. وقال أشهب: إن التقطه مسلم فهو مسلم.
ولو وُجِد في قرية ليس فيها إلا الاثنان٤ والثلاثة من المسلمين فهو مشركٌ، ولا يُعرَّض له إلا أن يلتقطه مسلم فيجعله على دينه. وقال أشهب: حكمه في هذه أيضًا الإسلامُ؛ التقطه ذميٌّ أو مسلم، لاحتمال أن يكون لِمَن فيها من المسلمين. قال: كما أجعله حرًّا، وإن كنت لم أعلم حرٌّ هو أم عبدٌ لاحتمال الحرية؛ لأنَّ الشرع رجَّح جانبَهما٥. هذا تحصيل مذهبهم.