قالوا: ففي ظاهر الرواية اعتبر المكان دون الواجد، كاللقيط إذا وجده مسلمٌ في دار الحرب. وروى أبو سليمان١ عن محمد أنه اعتبر الواجد دون المكان، لأنَّ اليد أقوى. وفي رواية اعتبر الإسلامَ نظرًا للصغير٢.
فصل
فإن قيل: فما تقولون في الذمي يجعل ولدَه الصغير مسلمًا، فهل يحكم بإسلامه بذلك أم لا؟
قيل: قد قال الخلال في «الجامع»٣: بابٌ في الذميِّين يجعلون أولادهم مسلمين. أخبرني عبد الكريم بن الهَيثَم العاقولي قال: سمعت أبا عبد الله يقول في المجوسيين يولد لهما ولدٌ فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين، ثم يُتوفَّى، قال: ذاك يدفنه المسلمون.
وقال عبد الكريم بن الهيثم: سألت أبا عبد الله، عن الصبي المجوسي يجعله أبوه وأمه مسلمًا، ثم يموت، أين يُدفَن؟ قال: «يهودانه وينصرانه»، إنَّ معناه أن يُدفَن في مقابر المسلمين. هذا لفظه، والمعنى أنَّه إنَّما حُكِم بكفره لأنَّ الأبوين يهوِّدانه وينصِّرانه، فإذا جعلاه مسلمًا صار مسلمًا.
فصل
فإن قيل: فما تقولون في المملوك الكافر يكون تحته جاريةٌ كافرةٌ، وهما
(١) هو موسى بن سليمان الجوزجاني الفقيه، صاحبُ أبي يوسف ومحمد.
(٢) انظر: «الأصل» (٨/ ٧٥).
(٣) (١/ ٩٠).
ملك مسلمٍ، إذا ولد بينهما ولدٌ هل يكون تبعًا لأبويه، أو لسيد الأبوين؟
قيل: سئل أحمد عن هذه المسألة، وترجم عليها الخلال فقال في «الجامع»١: باب الرجل والمرأة يُسبَون فيكونوا٢ عند المسلم فيولد لهما، أو يزوِّجهما المسلم، فيولد لهما في ملك سيدهما أولادٌ، ما الحكم فيه؟ أخبرنا أبو بكر المرُّوذي أنَّ أبا عبد الله قال: إذا وُلد لهما وهما في دار الإسلام في ملك مولاهما، لا أقول في ولدهما شيئًا.
قلت: هذه هي المسألة المتقدمة، وهي تَبَعُ الولدِ لمالكه. وقد تقدَّم نصُّ أحمد على أنه يتبع مالكه في الإسلام، وإنَّما توقَّف في هذه المسألة ــ وإن كان مالكه مسلمًا ــ لأنَّ أبوي الطفل معه وهما كافران، لكن لمَّا لم يكن لهما عليه ولايةٌ وكانت الولايةُ لسيده ومالكه تبعه في الإسلام. وهذا أوجَهُ وأَطرَدُ على أصوله.
فإن قيل: فهو لو سُبي مع أبويه كان مملوكًا لسابيه، وكان على دينهما، فما الفرق بين المسألتين؟
قيل: قد بيَّنَّا أنَّ الصحيح كونه مسلمًا وإن كان مع أبويه٣. وعلى هذا، فلا فرقَ بينهما. وإن قلنا بالرواية الثانية وأنه يكون على دينهما، فالفرق بينها وبين ما لو وُلد بين مملوكين لمسلمٍ: أنَّه قد ثبت له حكم تبعية الأبوين
(١) (١/ ٩٢).
(٢) في مطبوعة «الجامع»: «فيكونون» وهو الوجه. وغيَّر صبحي الصالح ما في الأصل إلى «يُسبيان فيكونان».