أحكام أهل الذمة

بطريق الأصالة قبل السِّباء، وهنا ثبت١ له حكمُ تبعية المالك.

وقد نَصَّ على أنَّه يكون الولد في هذه الصورة مسلمًا إذا ماتت أُمُّه وكفله المسلمون، فقال أبو الحارث٢: سئل أبو عبد الله عن جاريةٍ نصرانيةٍ لرجل مسلم لها زوجٌ نصراني، فولدت عنده وماتت عند المسلم، وبقي ولدها عنده ما يكون حكم هذا الصبي؟ فقال: إذا كفله المسلمون فهو مسلم.

فهذا يحتمل أن يكون حكم بإسلامه لموت أمِّه، ويحتمل أن يكون حكم بإسلامه لكفالة المسلمين له ولا أثرَ لوجود أمِّه٣.

وقد صرَّح بهذا المأخذ، وهو كفالة المسلمين، في رواية يعقوبَ بنِ بختان٤ فإنَّه قال: سئل أبو عبد الله عن جاريةٍ نصرانيةٍ لقومٍ، فولدت عندهم ثم ماتَت ما يكون الولد؟ قال: إذا كفله المسلمون ولم يكن له من يكفله إلا هم، فهو مسلم٥. قيل له: فإن مات بعد الأم بقليل؟ قال: يدفنه المسلمون.

وهذا تقييدُ مطلقِ أجوبته في الحكم بإسلامه بمجرد موت الأبوين وإن كفله أهل دينه.

وهذا التفصيل هو الصواب في المسألة، وهو الذي نختاره. وهو وسطٌ

  1. (١) في هامش الأصل زيادة «لم» قبله بعلامة (خ)، فصار النص في المطبوع: «لم يثبت». وهو خطأ يُذهب المعنى ويُفسد المقصود.
  2. (٢) كما في «الجامع» (١/ ٩٢).
  3. (٣) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: «لموت أمه».
  4. (٤) كما في «الجامع» (١/ ٩٣).
  5. (٥) في الأصل: «فهم مسلمون»، ولعله سبق قلم.
101

بين القولين المتقابلين، وبه يجتمع١ شملُ الأدلة من الجانبين. فإنَّ القائلين ببقائه على الكفر قالوا: لا يُعرَف أنَّه عمل في الإسلام بقول من قال: يصير أطفال أهل الذمة مسلمين بموت آبائهم، مع العلم القطعي بأنَّه لم يزل في أهل الذمة الأيتامُ في الأعصار والأمصار من عهد الصحابة إلى وقتنا، وهم يرون أيتام أهل الذمة بين المسلمين ويشاهدونهم عيانًا ويتصدَّقون عليهم، فلو كانوا مسلمين عندهم لَمَا ساغ لهم إقرارهم على الكفر وأن لا يحولوا بينهم وبين الكفار.

قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ هذا لو كان حكمَ أولادهم لكان من أهم الأمور، وكان ذكره فيما شرط عليهم آكد وأولى من تغيير لباسهم، وهيئة ركوبهم، وخفض أصواتهم بكنائسهم٢ وبالناقوس، ونحو ذلك من الشروط؛ فأين هذا من بقاء أطفالهم على [دينهم]٣ كفارًا، وقد صاروا مسلمين بمجرَّد موت الآباء؟ قالوا: وهذا يقرب من القطع.

والذين حكموا بإسلامهم قالوا: من الممتنع أن يُجعل من فطره الله على الإسلام كافرًا بعد موت أبويه اللذين جعله الله تابعًا لهما شرعًا وقدرًا، فإذا زال الأبوان كان من الممتنع نقل الولد عن حكم الفطرة بلا موجِب، وقد قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اُلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

  1. (١) في الأصل: «يجمع»، ولعل المثبت أشبه.
  2. (٢) في هامش الأصل: «بكتابهم».
  3. (٣) زيادة لإقامة السياق.
102

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي