أحكام أهل الذمة

بين القولين المتقابلين، وبه يجتمع١ شملُ الأدلة من الجانبين. فإنَّ القائلين ببقائه على الكفر قالوا: لا يُعرَف أنَّه عمل في الإسلام بقول من قال: يصير أطفال أهل الذمة مسلمين بموت آبائهم، مع العلم القطعي بأنَّه لم يزل في أهل الذمة الأيتامُ في الأعصار والأمصار من عهد الصحابة إلى وقتنا، وهم يرون أيتام أهل الذمة بين المسلمين ويشاهدونهم عيانًا ويتصدَّقون عليهم، فلو كانوا مسلمين عندهم لَمَا ساغ لهم إقرارهم على الكفر وأن لا يحولوا بينهم وبين الكفار.

قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ هذا لو كان حكمَ أولادهم لكان من أهم الأمور، وكان ذكره فيما شرط عليهم آكد وأولى من تغيير لباسهم، وهيئة ركوبهم، وخفض أصواتهم بكنائسهم٢ وبالناقوس، ونحو ذلك من الشروط؛ فأين هذا من بقاء أطفالهم على [دينهم]٣ كفارًا، وقد صاروا مسلمين بمجرَّد موت الآباء؟ قالوا: وهذا يقرب من القطع.

والذين حكموا بإسلامهم قالوا: من الممتنع أن يُجعل من فطره الله على الإسلام كافرًا بعد موت أبويه اللذين جعله الله تابعًا لهما شرعًا وقدرًا، فإذا زال الأبوان كان من الممتنع نقل الولد عن حكم الفطرة بلا موجِب، وقد قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اُلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

  1. (١) في الأصل: «يجمع»، ولعل المثبت أشبه.
  2. (٢) في هامش الأصل: «بكتابهم».
  3. (٣) زيادة لإقامة السياق.
102

[الروم: ٣٠]، فما الموجب لتبديل الفطرة، وقد زال من كان يبدِّلها ممن هو أولى الناس به وبكفالته وتربيته وحضانته؟ فإذا كفله المسلمون، وقاموا بتربيته وحضانته، ومعه الفطرة الأصلية، والمغيِّر لها قد زال، فكيف نحكم بكفره؟ وهذا أيضًا قريبٌ من القطعي. ونحن نجمع بين الأمرين، ونقول بموجب الدليلين، والله أعلم.

فصل

فإن قيل: فهذا كله بناءً منكم على أنَّ الفطرة الأولى هي فطرة الإسلام، وأحمد قد نصَّ على أنَّ الفطرة هي ما فُطِر عليه من الشقاوة والسعادة، فقال في رواية الحسن بن ثواب١: كلُّ مولود من أطفال المشركين على الفطرة؛ يولد على الفطرة التي خلقه الله عليها من الشقاوة والسعادة التي سبقت في الكتاب، أرجِع في ذلك إلى الأصل، هذا معناه.

وقال في رواية حنبل وأبي الحارث والفضل بن زياد٢: الفطرة التي فطر الله٣ العباد عليها من الشِّقْوة والسعادة.

وقال في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن الحديث: «كلُّ مولود يولد على الفطرة»٤، قال: على السعادة والشقاوة، وإليه٥ يَرجع على ما خُلق.

  1. (١) كما في «الجامع» (١/ ٧٦).
  2. (٢) كما في «الجامع» (١/ ٧٩). وكذا الروايتان الآتيتان.
  3. (٣) الاسم المعظم سقط من المطبوع.
  4. (٤) سبق تخريجه.
  5. (٥) في مطبوعة «الجامع»: «قال»، ولعله تصحيف عمَّا هنا.
103

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي