أحكام أهل الذمة

[الروم: ٣٠]، فما الموجب لتبديل الفطرة، وقد زال من كان يبدِّلها ممن هو أولى الناس به وبكفالته وتربيته وحضانته؟ فإذا كفله المسلمون، وقاموا بتربيته وحضانته، ومعه الفطرة الأصلية، والمغيِّر لها قد زال، فكيف نحكم بكفره؟ وهذا أيضًا قريبٌ من القطعي. ونحن نجمع بين الأمرين، ونقول بموجب الدليلين، والله أعلم.

فصل

فإن قيل: فهذا كله بناءً منكم على أنَّ الفطرة الأولى هي فطرة الإسلام، وأحمد قد نصَّ على أنَّ الفطرة هي ما فُطِر عليه من الشقاوة والسعادة، فقال في رواية الحسن بن ثواب١: كلُّ مولود من أطفال المشركين على الفطرة؛ يولد على الفطرة التي خلقه الله عليها من الشقاوة والسعادة التي سبقت في الكتاب، أرجِع في ذلك إلى الأصل، هذا معناه.

وقال في رواية حنبل وأبي الحارث والفضل بن زياد٢: الفطرة التي فطر الله٣ العباد عليها من الشِّقْوة والسعادة.

وقال في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن الحديث: «كلُّ مولود يولد على الفطرة»٤، قال: على السعادة والشقاوة، وإليه٥ يَرجع على ما خُلق.

  1. (١) كما في «الجامع» (١/ ٧٦).
  2. (٢) كما في «الجامع» (١/ ٧٩). وكذا الروايتان الآتيتان.
  3. (٣) الاسم المعظم سقط من المطبوع.
  4. (٤) سبق تخريجه.
  5. (٥) في مطبوعة «الجامع»: «قال»، ولعله تصحيف عمَّا هنا.
103

وقال محمد بن يحيى الكحال: قلت لأبي عبد الله: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها: شَقِيٌّ أو سعيد.

وإذا كان هذا نصَّه في الفطرة، فكيف يلتئم١ مع مذهبه في الأطفال أنهم على الإسلام بموت آبائهم؟

قيل: هذا موضع قد اضطربت فيه الأقدام، وطال فيه النزاع والخصام، ونحن نذكر فيه بعض ما انتهى إلينا من كلام أئمة الإسلام:

قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «غريب الحديث»٢ الذي هو لِما بعده من كتب الغريب إمامٌ: سألت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان هذا في أوَّل الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يُؤمَر المسلمون بالجهاد٣.

قال أبو عبيد: فأمَّا عبد الله بن المبارك فإنَّه سُئل عن تأويل هذا الحديث، فقال: تأويله: الحديث٤ الآخر أنَّ النبي ﷺ سئل عن أطفال

  1. (١) في المطبوع: «يكتم»، تحريف.
  2. (٢) (٢/ ٢٦٥ وما بعده).
  3. (٣) يقصد محمد بن الحسن بالنسخ: أن مقتضى هذا الحديث أنه لو مات الطفل «قبل أن يهوِّده أبواه أو ينصِّراه= ماورثهما ولا ورثاه، لأنَّه مسلم وهما كافران. وكذلك ما كان يجوز أن يُسبى لأنه مسلم. ثم نزلت الفرائض وجرت السنن بخلاف ذلك». انتهى من كلام أبي عُبيد بتصرف واختصار.
  4. (٤) «فقال: تأويله الحديث» سقط من المطبوع فاختل السياق.
104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي