وغيره من حديث الأسود بن سريع قال: بعث رسول الله ﷺ سريَّةً فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي ﷺ: «ما حملكم على قتل الذرية؟»، قالوا: يا رسول الله، [أَ] ليسوا٢ أولاد المشركين؟ قال: «أَوَليس خياركم أولاد المشركين؟»، ثم قام النبي ﷺ خطيبًا، فقال: «ألا إنَّ كلَّ مولود يُولَد على الفطرة حتى يُعرِب عنه لسانه».
فخُطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟» نصٌّ أنَّه أراد أنهم وُلدوا غيرَ كفارٍ، ثمَّ الكفر طرأ بعد ذلك، ولو أراد أنَّ المولود حين يُولَد يكون إمَّا كافرًا وإمَّا مسلمًا على ما سبق به القدر، لم يكن فيما ذكره حجةٌ على ما قصده من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين.
وقد ظنَّ بعضهم أنَّ معنى قوله: «أو ليس خياركم أولاد المشركين» معناه: لعلَّه أن يكون قد سبق في علم الله أنَّهم لو بقُوا لآمنوا، فيكون النهي
(١) برقم (١٥٥٨٨، ١٥٥٨٩)، وأخرجه أيضًا معمر في «الجامع» (٢٠٠٩٠) ــ واللفظ له إلا أن في مطبوعته سقطًا يستدرك من رواية ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (١٥٩٥) من طريقه ــ والنسائي في «الكبرى» (٨٥٦٢) وابن حبان (١٣٢) والحاكم (٢/ ١٢٣) وغيرهم، من طرق عن الحسن عن الأسود بن سريع. رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، فإن الحسن لم يسمع من الأسود على ما ذكره ابن المديني في «العلل» (ص ٥٥) فقد سئل عن هذا الحديث فقال: إسناده منقطع، والحسن عندنا لم يسمع من الأسود، لأن الأسود خرج من البصرة أيام علي، وكان الحسن بالمدينة.
(٢) همزة الاستفهام مستدركة من «جامع معمر» و«الإبانة الكبرى». ولفظ أحمد: إنما هم ــ وفي رواية: إنما كانوا ــ أولاد المشركين.
راجعًا إلى هذا المعنى من التجويز. وليس هذا معنى الحديث، ولكن معناه: أنَّ خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهؤلاء من أولاد المشركين، فإنَّ آباءهم كانوا كفارًا، ثم إنَّ البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنًا، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
وهذا الحديث ــ وهو حديث الفطرة ــ ألفاظه يفسِّر بعضُها بعضًا، ففي «الصحيحين»١ ــ واللفظ للبخاري ــ عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود يُولَد إلا على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اُلْقَيِّمُ﴾[الروم: ٢٩]٢، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»٣.
(١) سبق تخريجه. واللفظ المذكور مجموع من روايتين كما يأتي بيانه في التعليقين الآتيين. والمؤلف صادر عن «درء التعارض» (٨/ ٣٦٥).
(٢) إلى هنا لفظ الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، البخاري (١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥) ومسلم عقب (٢٦٥٨/ ٢٢). وكذلك أخرجه مسلم (٢٦٥٨/ ٢٢) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
(٣) الحديث مع هذه الزيادة عند البخاري (٦٥٩٩) من طريق همام، وعند مسلم (٢٦٥٨/ ٢٣) من طريق أبي صالح، كلاهما عن أبي هريرة ﵁، ولكن ليس فيه قوله: «اقرؤوا ...».