وفي «الصحيح»١ قال الزهري: يُصلَّى على كلِّ مولود يُتَوفَّى، وإن كان لِغيَّةٍ، من أجل أنَّه وُلِد على فطرة الإسلام إذا استهلَّ خارجًا، ولا يُصلَّى على مَن لم يستهِلَّ من أجل أنَّه سقط، وأنَّ أبا هريرة كان يحدِّث أنَّ النبي ﷺ قال: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه كما تُنتَج البهيمة بهيمةً جمعاءَ، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾[الروم: ٢٩].
وفي «الصحيح»٢ من رواية الأعمش: «ما من مولود إلا وهو على الملة». وفي رواية أبي معاوية عنه: «إلا على هذه الملة، حتى يُبِين عنه لسانه»٣. فهذا صريحٌ في أنَّه يُولَد على ملة الإسلام كما فسَّره ابن شهاب راوي الحديث، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدلُّ على ذلك.
قال ابن عبد البر٤: وسئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبةٌ مؤمنةٌ: أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه، وهو رضيعٌ؟ قال: نعم؛ لأنه ولد على الفطرة.
قال ابن عبد البر ــ وقد ذكر أقوال الناس في هذا الحديث ــ٥: وقال
(٢) «صحيح مسلم» عقب (٢٦٥٨/ ٢٣) من طريق ابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
(٣) «صحيح مسلم» عقب (٢٦٥٨/ ٢٣).
(٤) في «التمهيد» (١٨/ ٧٦)، والمؤلف صادر عن «درء التعارض» (٨/ ٣٦٧) في نقل كلام ابن عبد البر كلِّه.
(٥) «التمهيد» (١٨/ ٧٢).
آخرون: الفطرة هاهنا هي الإسلام. قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف، وأهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قوله ﷿: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾[الروم: ٢٩]، على أن قالوا: فطرة الله دين الإسلام.
واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾١.
قال: وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قوله ﷿: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾، قالوا: فطرة الله: دين الله٢ الإسلام. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾[الروم: ٢٩]، قالوا: لدين الله٣.
واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق، عن ثَور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ الأَزْدي، عن عِياض بن حِمار المُجاشِعي أنَّ رسول الله ﷺ قال للناس يومًا: «ألا أُحدِّثكم بما حدَّثني الله في الكتاب؟ إنَّ الله خلق آدم وبَنِيه حنفاءَ مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا لا حرامَ فيه، فجعلوا ما أعطاهم الله حرامًا وحلالًا» الحديث٤.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ٧٣)، وأخرجه أيضًا ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (١/ ٤٠٤ - السفر الثاني) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣٨٧٨) والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٣٦٣). وإسناده جيِّد، ومَن فوق ابن إسحاق كلُّهم ثقات، وابن إسحاق توبع فيه كما سيأتي.