أحكام أهل الذمة

قال إسحاق١: وحدثنا حكَّام بن سَلْم٢ الرازي، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبَيِّ بن كعب في قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية، قال: جمعهم يومئذٍ جمعًا ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فجعلهم أرواحًا، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم وتكلَّموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم، قال: فإنِّي أُشهِد عليكم السماواتِ والأرضين السبعَ، وأُشهِد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم هذا. اعلموا أنَّه لا إلهَ غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، فإنِّي سأرسل إليكم رُسُلًا يذكِّرونكم عهدي وميثاقي، وأُنزِل عليكم كتبي. قالوا: نشهد أنَّك ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ غيرُك، ولا إلهَ لنا غيرُك. فأقرُّوا يومئذٍ بالطاعة، ورُفِع لهم أبوهم آدم، فنظر فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب، لو سوَّيت بين عبادك!

  1. (١) أخرجه عن إسحاق الفريابيُّ في «القدر» (٥٢، ٤٣٥)، ثم عنه الآجري في «الشريعة» (٤٣٥). وأخرجه الطبري (٧/ ٧٠٥) وابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٥) وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (١٤٥٠) والحاكم (٢/ ٣٢٣) من طرق عن أبي جعفر به. وأبوجعفر صدوق سيئ الحفظ، ولكنه توبع، فقد أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على «المسند» (٢١٢٣٢) والفريابي (٥٣) وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (١٤٥٢) وابن منده في «التوحيد» (٤٥٦) من طرق عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الربيع به. قال ابن منده: «هذا الحديث من رسم النسائي، وهذا إسناد متصل مشهور»، واختاره الضياء (٣/ ٣٦٣).
  2. (٢) في الأصل: «سليم»، تصحيف.
139

فقال: إنِّي أحببتُ أن أُشكَر.

ورأى فيهم الأنبياء مثل السُّرُج عليهم النور، وخُصُّوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩]، فلذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ اَلنُّذُرِ اِلْأُولى﴾ [النجم: ٥٥]، وفي ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠١]، وفي ذلك قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤]، كان في علمه يومَ أقرُّوا بما أقرُّوا به ومَن١ يكذِّب به ومَن يصدِّق. قال: وكان رُوح عيسى من تلك الأرواح التي أُخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأرسل ذلك إلى مريم حتى ﴿اِنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿حَمَلَتْهُ﴾ [مريم: ١٥ - ٢١]، حملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى٢.

وفي تفسير أسباط بن نصر٣، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي

  1. (١) كذا في الأصل و«القدر» للفريابي بإثبات الواو. ولم ترد في عامَّة المصادر، وهو أشبه بالسياق.
  2. (٢) أي حملت مريم الروحَ الذي تمثَّل لها بشرًا سويًّا وخاطبها فقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ...﴾، فإن المخاطب لها كان روحَ عيسى. وسيأتي إبطال المؤلف لهذا القول لاحقًا (ص ١٩٤). وقال عامَّة مفسري السلف: إن الروح الذي خاطبها هو جبريل. انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٤٨٥ - ٤٨٦).
  3. (٣) أخرجه الطبري (١٠/ ٥٦٠، ٥٦١) مختصرًا، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ٨٥) مطوَّلًا بأسانيدهما عن أسباط.
140

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي