أحكام أهل الذمة

سمعت محمد بن كعب القُرَظي يقول في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾: فأقرُّوا١ له بالإيمان والمعرفة الأرواحُ قبل أن يخلق أجسادها٢.

قال إسحاق: وحدثنا الفضل بن موسى، عن عبد الملك، عن عطاء قال: أُخرِجوا من صلب آدم حين أخذ منهم الميثاق، ثم رُدُّوا في صلبه٣.

قال إسحاق: وأخبرنا علي بن الأَجْلَح٤، عن الضَّحَّاك قال: إنَّ الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة، فأخرجهم مثل الذرِّ، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَن يَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، ثم قبض قبضةً بيمينه، فقال: هؤلاء في الجنة، وقبض أخرى، فقال: هؤلاء في النار٥.

قال محمد بن نصر: وحدثنا بُندار، ثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن

  1. (١) كذا في الأصل و«التمهيد» على لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة».
  2. (٢) أخرجه أيضًا ابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ٨٠) من طريق رَوح بن عُبادة به. وأخرجه الطبري (١٠/ ٥٦٢) من طريق آخر عن موسى بن عبيدة به بنحوه، وموسى فيه لين.
  3. (٣) أخرجه أيضًا الطبري (١٠/ ٥٥٩) بإسناده عن عبد الملك به.
  4. (٤) كذا في الأصل، ومثله في كتاب «الروح» للمؤلف (٢/ ٤٦٤). وهو تصحيف، فليس من الرواة أحدٌ بهذا الاسم، والصواب: «أخبرنا يعلى عن الأجلح» كما في «تفسير ابن أبي حاتم». ويعلى هو ابن عبيد الطنافسي، شيخ إسحاق بن راهويه، ثقة. والأجلح هو ابن عبد الله الكندي، صدوق شيعي، يروي عن الضحاك.
  5. (٥) أخرجه أيضًا ابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٥) عن شيخه أبي سعيد الأشج عن يعلى بن عبيد به. وأخرجه الطبري (١٠/ ٥٥٢، ٥٥٩) من طرق عن الضحاك بنحوه مختصرًا.
142

الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٢] قال: أخذه الميثاق١.

قال محمد: فقد ذكرنا ما حضَرَنا من الأخبار المروية عن السلف في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية، وليس في شيء منها أنَّ الطفل يسقط من بطن أمِّه وهو عارفٌ بالله، ولا في شيء منها دليل على ذلك.

قلت: أبو محمد لم يُرِد أنَّهم وُلِدوا عارفين بالله معرفةً حاصلةً معهم بالفعل، وإنَّما أراد أنَّهم وُلِدوا على حُكم تلك الفطرة والميثاقِ الذي أخذ عليهم، بحيث لو خُلُّوا وفِطَرَهم لَمَا عَدَلوا عن مُوجَب ذلك.

قال محمد: فيقال له: هل عندك من دليل يدلُّ على أنَّ الفطرة التي أخبر النبي ﷺ أنَّ كلَّ مولود يولد عليها هي المعرفة بالله؟ أو هل يُحكى عن أحد من السلف أنَّه قال ذلك؟ أو هل يُدَلُّ على ذلك بقياس؟ فإن أتى بشيء من هذه الدلائل، وإلا بان باطلُ دعواه.

فإن هو رجع إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ الآية، فقال: استشهادُ الله ذريةَ آدم على أنَّه ربُّهم دليل على أنَّ معرفة ذلك متقدِّمةٌ عندهم كما٢ استشهدهم عليه، فهذه غاية حُجَّته عند نفسه. قال: لأنَّ كل مستشهَدٍ على شيءٍ لم تتقدَّم المعرفةُ عنده بما استُشهِد عليه قبلَ الاستشهاد، فإنَّ المستشهِد دعاه إلى أن شَهِد بقول الزُّور، والله لا يأمر أحدًا بذلك.

  1. (١) أخرجه أيضًا الطبري (٥/ ٥٤٩) وابن أبي حاتم (٢/ ٦٩٦) من طريقين عن أبي جعفر الرازي عن الربيع به نحوه.
  2. (٢) كذا في الأصل والمطبوع، ولعل صوابه: «لِما».
143

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي