أحكام أهل الذمة

فيقال له: إنَّ إجابتك عن غير ما تُسأل عنه، واحتجاجك له هو الدليل على عجْزك، وعلى أنَّه لا حجةَ لك. إنَّا لم نسألك عن الوقت الذي استشهدهم الله فيه وقال لهم١: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فأجابوه بأن ﴿قَالُوا بَلَى﴾، هل كانوا عارفين في ذلك الوقت أم لا؟ إنَّما سألناك عن وقت سقوطهم من بطون أمَّهاتهم، هل عندك حجةٌ تُثبِت أنَّهم في ذلك الوقت عارفون؟

فإن قال: إنَّ ثبوت المعرفة لهم في ذلك الوقت دليل على أنَّهم وُلِدوا على ذلك، فهم في وقت الولادة على ما كانوا عليه قبل ذلك.

قيل له: فقد كانوا في ذلك الوقت مُقِرِّين أيضًا، وذلك أنَّ الله ﷿ أخبر أنَّه قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، والله ﷿ لا يخاطب إلا من يفهم عند المخاطبة، ولا يُجيب إلا مَن فهم السؤال، فإجابتهم إيَّاه بقولهم دليل على أنَّهم قد فهموا عن الله وعقلوا عنه استشهادَه إياهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأجابوه مِن بعد عقلهم للمخاطبة وفهمهم لها٢ بأن ﴿قَالُوا بَلَى﴾، فأقرُّوا له بالربوبية. فيقال له: فهكذا نقول: إنَّ الطفل إذا سقَطَ من بطن أمِّه فهو من ساعته يَفهَم المخاطبةَ إن خُوطِب ويُجيب عنها، ويُقرُّ له بالربوبية كإقرار الذين أقرُّوا له بالربوبية في الوقت الذي أخذ عليهم الميثاق! فإن قال: نعم، كابَرَ عقلَه وأَكذَبه العيان. وإن قال: لا أقول ذلك، [و] فرَّقَ بين الوقتين، فجعل حالهم في وقت الولادة خلافَ حالهم في الوقت الأول عند أخذ

  1. (١) في الأصل: «له»، تصحيف.
  2. (٢) في الأصل: «وفهمه لهم»، تصحيف.
144

الميثاق منهم= فيقال له: فكذلك جائزٌ أن يكونوا كانوا١ في الوقت الأول عارفين، وهم في وقت الولادة غيرُ عارفين كما كانوا في الوقت الأول؛ فقد فهموا المخاطبة وعقلوها وأجابوا مُقرِّين لله بالربوبية، وهم في وقت الولادة على خلاف ذلك.

قلت: كلُّ مَن قال بأنَّ العهد الذي أُخِذ عليهم هو أنَّهم أُخرِجوا من صُلب آدم وخُوطِبوا، وأقرُّوا له بالربوبية، ثمَّ رُدُّوا في صلبه= فإنَّه يفرق بين حالهم ذلك الوقتَ وحالهم وقتَ الولادة قطعًا. ولا يقول ابن قتيبة ولا غيره: إنَّهم وُلِدوا عارفين فاهمين يفهمون السؤال ويرُدُّون الجواب. فالأقسام أربعةٌ:

أحدها: استواء حالتهم وقت أخذ العهد ووقت سقوطهم في العلم والمعرفة.

الثاني: استواء الوقتين في عدم ذلك.

الثالث: حصول المعرفة عند السقوط، وعدمها عند أخذ العهد. وهذه الأقسام الثلاثة باطلةٌ لا يقول بواحدٍ منها أحد٢.

الرابع: معرفتهم وفهمهم وقتَ أخذِ العهد دون وقت السقوط. وهذا يقوله كلُّ مَن يقول: إنَّه أخرجهم من صُلب أبيهم آدم وكلَّمهم وخاطبهم، وأشهَدَ عليهم ملائكته، وأشهدهم على أنفسهم، ثم ردَّهم في صُلبه. وهذا

  1. (١) «كانوا» سقط من المطبوع.
  2. (٢) «أحد» ساقط من المطبوع.
145

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي