قول جماهير من السلف والخلف، واعتمدوا على ما ذكرنا من هذه الآثار مرفوعها وموقوفها.
وأحسن شيء فيها حديث مسلم بن يسار عن عمر بن الخطاب ﵁١، وقد ذكرنا كلام الأئمة فيه. على أنَّ إسحاق قد رواه عن حكَّام بن سَلْم، عن [عنبسة، عن] عُمَارة٢ بن عُمَير، عن أبي محمد رجلٍ من أهل المدينة قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية، فقال: سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: «خلق الله آدمَ بيده ونفخ فيه من رُوحه، ثم أجلسه فمسح ظهرَه، فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتُهم للجنة، يعملون بما شئتُ من عمل، ثم أختم لهم بأحسن٣ أعمالهم فأُدخِلهم الجنة. ثم مسح ظهره، فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتهم للنار، يعملون بما شئت من عملٍ، ثم أختم لهم بأسوأ أعمالهم، فأُدخلهم النار»٤. فهذا لا ذِكر فيه لمخاطبتهم وسؤالهم واستنطاقهم، وهو موافقٌ لسائر الأحاديث، ويُشبِه أن يكون هو المحفوظ عن عمر ﵁.
وأمَّا سائر الأحاديث فالمرفوع الصحيح منها إنَّما فيه إثبات القبضتين، وتمييز أهل السعادة من أهل الشقاوة قبل إخراجهم إلى دار التكليف؛ مثل
(١) تقدَّم (ص ١٢٧ - ١٣٠).
(٢) في الأصل: «عبادة»، تصحيف. وما بين الحاصرتين سقط لانتقال النظر، وقد تقدَّم الإسناد بإثباته.
(٣) في الأصل: «بإحسان»، خطأ.
(٤) تقدَّم (ص ١٢٩).
الحديث الذي رواه أحمد١ عن عبد الصمد، حدثنا حمادٌ، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نضرة أنَّ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قبض قبضةً بيمينه، وأخرى بيده الأخرى، فقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي» فلا أدري في أي القبضتين أنا.
وكذلك حديث المَقبُري عن أبي هريرة ﵁ يرفعه الذي تقدَّم٢ هو وغيرُه من الأحاديث التي فيها: أنَّ الله أخرج ذرية آدم من ظهره وأراه إياهم، وجعل أهل السعادة في قبضته اليمنى، وأهل الشقاوة في القبضة الأخرى.
وأمَّا الآثار التي فيها أنَّه استنطقهم وأشهدهم وخاطبهم فهي بين موقوفةٍ ومرفوعةٍ لا يصح إسنادها؛ كحديث مسلم بن يسار، وحديث هشام بن حكيم بن حزام، فإنَّ في إسناده بقيةَ بن الوليد وراشدَ بن سعدٍ وفيهما مقال٣، وأبو٤ قتادة النصري وهو مجهولٌ.
وبالجملة: فالآثار في إخراج الذرية من ظهر آدم وحصولهم في القبضتَين كثيرةٌ لا سبيل إلى ردِّها وإنكارها، ويكفي وصولها إلى التابعين، فكيف
(١) في «المسند» (١٧٥٩٣)، وقد تقدَّم تخريجه (ص ١٣٢).
(٢) (ص ١٣٢ - ١٣٤).
(٣) أمَّا بقية، فإن غاية ما يؤخذ عليه تدليسه عن الضعفاء، وهنا قد صرَّح بالتحديث، ثم إنَّه قد توبع كما سبق بيانه في تخريجه (ص ١٣١). وأمَّا راشد بن سعد الحُبراني المَقرائي، فثقة عند عامَّة أهل الحديث، «وقال ابن حزم وحده: هو ضعيف، فهذا من أقواله المردودة» كما في «السير» (٤/ ٤٩٠). وإنما علَّة الحديث جهالةُ أبي قتادة وابنه.