أحكام أهل الذمة

ثم قال بعد ذلك: ﴿أَن يَقُولُوا﴾ أي: كراهية أن يقولوا، أو١: لئلا يقولوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، أي: عن هذا الإقرار لله بالربوبية، وعلى نفوسنا بالعبودية، فإنَّهم ما كانوا غافلين عن هذا، بل كان هذا من العلوم الضرورية اللازمة لهم التي لم يخلُ منها بشرٌ قط، بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضروريةً ولكن قد يغفُل عنها كثيرٌ من بني آدم، من علوم العدد والحساب وغير ذلك، فإنَّها إذا تُصوِّرت كانت علومًا ضروريةً، لكن كثيرٌ من الناس غافلٌ عنها. وأمَّا الاعتراف بالخالق فإنَّه علمٌ ضروري لازمٌ للإنسان لا يغفُل عنه أحدٌ بحيث لا يعرفه، بل لا بدَّ أن يكون قد عرفه، وإن قُدِّر أنَّه نسيه. ولهذا يُسمَّى التعريف بذلك تذكيرًا، فإنَّه تذكيرٌ بعلومٍ فِطريةٍ ضروريةٍ، وقد ينساها العبد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ نَسُوا اُللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وفي الحديث الصحيح: «يقول الله للكافر: فاليوم أنساك كما نسيتَني»٢.

ثم قال: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فذكر سبحانه لهم حُجَّتين يدفعهما هذا الإشهاد:

إحداهما: أن يقولوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، فبيَّن أنَّ هذا علمٌ فطري ضروري لا بدَّ لكلِّ بشرٍ من معرفته. وذلك يتضمَّن حجة الله في إبطال

  1. (١) في الأصل: واو العطف، ولعل المثبت أشبه.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٨) وغيره من حديث أبي هريرة ﵁.
151

التعطيل، وأنَّ القول بإثبات الصانع علمٌ فطري ضروري، وهو حجةٌ على نفي التعطيل.

والثاني: أن يقولوا: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ﴾، وهم آباؤنا المشركون. أي: أفتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ فإنَّه لو قُدِّر أنَّهم لم يكونوا عارفين بأنَّ الله ربُّهم ووجدوا آباءَهم مشركين وهم ذريةٌ مِن بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أنَّ يحتذي الرجلُ حذوَ أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم، إذ كان هو الذي ربَّاه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه؛ فإذا كان هذا مقتضى العادة والطبيعة، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك= قالوا١: نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن كنَّا ذريةً لهم بعدهم، ولم يكن عندنا ما يبيِّن خطأهم. فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به مِن أنَّ الله وحدَه هو ربُّهم، كان معهم ما يبيِّن بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم. فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجةَ عليهم الفطرةُ الطبيعيَّة الفعلية٢ السابقة لهذه العادة الطارئة، وكانت الفطرةُ الموجِبةُ للإسلام سابقةً للتربية التي يحتجُّون بها.

وهذا يقتضي أنَّ نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجةٌ في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسولٍ، فإنَّه جعل ما تقدَّم حُجَّةً عليهم بدون هذا.

  1. (١) جواب «إذا» أغنى عن جواب «لو قدِّر ...».
  2. (٢) في هامش الأصل: «القولية».
152

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي