أحكام أهل الذمة

وهذا لا يناقض قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإنَّ الرسول يدعو إلى التوحيد، لكن إن لم يكن في١ الفطرة دليلٌ عقليٌّ يعلم به إثبات الصانع= لم يكن في مجرَّد الرسالة حجةٌ عليهم. فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمَّن إقرارَهم بأنَّ الله ربُّهم ومعرفتَهم بذلك= أمرٌ لازمٌ لكل بني آدم، به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله. فلا يمكن أحدًا أن يقول يوم القيامة إنِّي كنتُ عن هذا غافلًا، ولا أنَّ الذنب كان لأبي المشرك دوني، لأنَّه عارفٌ بأنَّ الله ربُّه لا شريكَ له، فلم يكن معذورًا في التعطيل والإشراك، بل قام به ما يستحق به العذاب.

ثم إنَّ الله سبحانه لكمال رحمته وإحسانه لا يعذِّب أحدًا إلا بعد إرسال الرسول إليه، وإن كان فاعلًا لِما يستحق به الذمَّ والعقاب، فلِلّه على عبده حُجَّتان قد أعدَّهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما:

إحداهما: ما فَطَره عليه وخلقه عليه من الإقرار بأنَّه ربُّه ومليكه وفاطره، وحقُّه عليه لازمٌ.

والثانية: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله.

فيقوم عليه شاهد الفطرة والشرعة، ويُقِرُّ على نفسه بأنَّه كان كافرًا كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فلم ينفِّذ عليهم الحكم إلا بعد إقرارٍ وشاهدَين، وهذا غاية العدل.

  1. (١) «إن لم يكن في» سقط من المطبوع فاختلَّ السياق.
153

فصل١

قال أبو عمر٢: وقد اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة.

فقال ابن المبارك: تفسيره آخر الحديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين». هكذا ذكر أبو عبيد٣ عن ابن المبارك لم يَزِد شيئًا.

وذكر عن محمد بن الحسن أنَّه سأله عن تأويل هذا الحديث فقال: كان هذا القول من النبي ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد.

قال أبو عمر: أما [ما]٤ ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحوه، وليس فيه مقنعٌ من التأويل، ولا شرحٌ موعبٌ٥ في أمر الأطفال، ولكنها جملةٌ تؤدِّي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفرٍ أو إيمانٍ، أو جنةٍ أو نارٍ، ما لم يبلغوا العمل.

قال: وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه، إمَّا لإشكاله عليه، وإمَّا لجهله به، أو لما شاء الله.

  1. (١) المؤلف صادر عن «درء التعارض» (٨/ ٣٧٩) وما بعدها. وقد أورد المؤلف هذا الفصل في «شفاء العليل» (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٧) أيضًا.
  2. (٢) في «التمهيد» (١٨/ ٦٦) وما بعدها.
  3. (٣) في «غريب الحديث» (٢/ ٢٦٦).
  4. (٤) زياد من مصدرَي النقل.
  5. (٥) في هامش الأصل: «يرغب»، خطأ.
154

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي