قال أبو عمر٢: وقد اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة.
فقال ابن المبارك: تفسيره آخر الحديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين». هكذا ذكر أبو عبيد٣ عن ابن المبارك لم يَزِد شيئًا.
وذكر عن محمد بن الحسن أنَّه سأله عن تأويل هذا الحديث فقال: كان هذا القول من النبي ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد.
قال أبو عمر: أما [ما]٤ ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحوه، وليس فيه مقنعٌ من التأويل، ولا شرحٌ موعبٌ٥ في أمر الأطفال، ولكنها جملةٌ تؤدِّي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفرٍ أو إيمانٍ، أو جنةٍ أو نارٍ، ما لم يبلغوا العمل.
قال: وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه، إمَّا لإشكاله عليه، وإمَّا لجهله به، أو لما شاء الله.
(١) المؤلف صادر عن «درء التعارض» (٨/ ٣٧٩) وما بعدها. وقد أورد المؤلف هذا الفصل في «شفاء العليل» (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٧) أيضًا.
(٢) في «التمهيد» (١٨/ ٦٦) وما بعدها.
(٣) في «غريب الحديث» (٢/ ٢٦٦).
(٤) زياد من مصدرَي النقل.
(٥) في هامش الأصل: «يرغب»، خطأ.
وأمَّا قوله: إنَّ ذلك كان من النبي ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، فلا أدري ما هذا! فإن كان أراد أنَّ ذلك منسوخٌ، فغير جائزٍ عند العلماء دخول النسخ في أخبار الله وأخبار رسوله؛ لأنَّ المُخبِر بشيءٍ كان أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخلُ رجوعه عن تكذيبه لنفسه، أو غلطه فيما أخبر به، أو نسيانه؛ وقد عصم اللهُ رسولَه في الشريعة والرسالة منه. وهذا لا يخالف فيه أحدٌ له أدنى فَهْم، فقِفْ عليه، فإنَّه أمرٌ حتمٌ في أصول الدين.
وقول محمد: «إنَّ ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد»١ ليس كما قال، لأنَّ في حديث الأسود بن سريع٢ ما يبيِّن أنَّ ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد.
وروى بإسناده عن الحسن، عن الأسود بن سريعٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بال أقوامٍ بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟»، فقال رجلٌ: أَوَليس إنما هم٣ أولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: «أوليس خيارُكم أولادَ المشركين؟ إنَّه ليس من مولود يُولَد إلا على الفطرة حتى يبلغَ فيُعبِّر عنه لسانُه، ويهوِّدُه أبواه أو ينصِّرانه».
قال: وروى هذا الحديث عن الحسن جماعةٌ، منهم: بكرٌ المزني، والعلاء بن زيادٍ، والسري بن يحيى٤. وقد روي عن الأحنف عن
(١) من قوله: «فلا أدري ما هذا» إلى هنا ليس في مطبوعة «التمهيد».
(٢) سبق تخريجه (ص ١١٤).
(٣) «إنما هم» تصحَّف في الأصل والمطبوع إلى: «آباؤهم»!
(٤) رواية بكر في «السنة» للخلال (٨٧٠)، ورواية السري عند ابن حبان (١٣٢) وغيره. وأما رواية العلاء بن زياد فلم أجدها، وأخشى أن يكون سهوًا أو سبقَ قلمٍ من حافظ المغرب وأن الصواب: «المعلَّى بن زياد»، فإنه رواه عن الحسن كما عند الطبراني في «الأوسط» (١٩٨٤) و«الكبير» (٨٣٧)، وعند لوين في «حديثه» (٣٠). وقال البيهقي في «القضاء والقدر» (ص ٣٤٤) بعد أن أخرجه من طريق يونس بن عُبيد عن الحسن: «وبمعناه رواه المعلى بن زياد، وأشعث، ومبارك بن فضالة، وغيرهم عن الحسن».