وفي تفسير سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا أشكُّ ولا أَسأل"١.
وقد ذكر ابن جريجٍ عن ابن عباس ﵄ قال: فإن كنتَ في شكٍّ أنك مكتوبٌ عندهم فسَلْهم٢.
وهذا اختيار ابن جريرٍ؛ قال: يقول تعالى لنبيِّه: فإن كنت يا محمد في شكٍّ من حقيقة ما أخبرناك وأنزلنا إليك، من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن أبعثك رسولًا إلى خلقي، لأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوفٌ في كتبهم، فسَلِ الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كعبد الله بن سلامٍ ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك منهم، دون أهل الكذب والكفر بك.
وكذلك قال ابن زيدٍ، قال: هو عبد الله بن سلامٍ.
وقال الضحاك: سلْ أهلَ التقوى والإيمان من مؤمني أهل الكتاب٣.
ولم يقع هؤلاء ولا هؤلاء على معنى الآية ومقصودها، وأين كان عبد الله بن سلامٍ وقتَ نزول هذه الآية؟ فإن السورة مكيةٌ، وابن سلامٍ إذ ذاك على دين قومه، وكيف يؤمر رسول الله ﷺ أن يستشهد على منكري نبوته بأتباعه؟
(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨٨). وأخرجه عبد الرزاق (١٠٢١١) والطبري أيضًا من طريق معمر عن قتادة بنحوه. والحديث مرسل.
(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨٦).
(٣) الأثران أخرجهما الطبري (١٢/ ٢٨٦، ٢٨٧).
وقال كثيرٌ من المفسرين١: هذا الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره؛ لأن القرآن نزل عليه بلغة العرب، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره، كما يقول متمثِّلُهم: إياكِ أعني واسمعِيْ يا جَاره٢. وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾[الأحزاب: ١]، والمراد أتباعه بهذا الخطاب.
قال أبو إسحاق٣: إن الله تعالى يخاطب النبي ﷺ والخطاب شاملٌ للخلق، والمعنى: وإن كنتم في شكٍّ [فاسألوا]. والدليل على ذلك قوله تعالى في آخر السورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[يونس: ١٠٤].
وقال ابن قتيبة٤: كان الناس في عصر النبي ﷺ أصنافًا: منهم كافرٌ به مكذِّبٌ، وآخر مؤمنٌ به مصدِّقٌ، وآخر شاكٌّ في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدِّم رجلًا ويؤخِّر رجلًا، فخاطب الله تعالى هذا الصنف من الناس وقال: فإن كنتَ أيها الإنسان في شكٍّ مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فسَلْ.
(٢) مثل يُضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئًا آخر، وأول مَن قاله سهل بن مالك الفزاري، قاله لأخت حارثة بن لأم الطائي. انظر "الأمثال" لأبي عبيد (ص ٦٥)، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة (ص ١٥٨)، و"فصل المقال" (ص ٧٦، ٧٧) وغيرها.
(٣) هو الزجاج، وقوله في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" (٣/ ٣٢)، ومنه الزيادة.