وروى عوفٌ الأعرابي، [عن أبي رجاءٍ العُطاردي]٢، عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: «كل مولود يُولَد على الفطرة»، فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين»٣. انتهى.
(١) لم أجد هذا الحديث من رواية الأحنف عن الأسود. والمشهور من رواية الأحنف عنه حديث آخر، وهو: «أربعة يحتجون يوم القيامة ...»، وسيأتي لاحقًا.
(٢) ما بين الحاصرتين مستدرك من «التمهيد» (١٨/ ٦٨)، وقد سقط من «الدرء» (٨/ ٣٨٢) مصدر المؤلف. وسيأتي عند المؤلف على الصواب لاحقًا (ص ٢٣٥).
(٣) هذا جزء من حديث سمرة في رؤيا النبي ﷺ الطويلة التي رآى فيها صنوفًا يُعذَّبون، ورآى فيها روضة مُعْتَمَّة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل حوله ولدان كُثُر. ثُمَّ أخبر ﷺ أن «الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة»، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول ﷺ: «وأولاد المشركين». هكذا أخرجه البخاري (٧٠٤٧) وأحمد (٢٠٠٩٤) وابن أبي شيبة (٣١١٢٦) والنسائي في «الكبرى» (٧٦١١) والروياني في «مسنده» (٨٣٦) من خمسة طرقٍ عن عوف الأعرابي به، بلفظ: «فكل مولود مات على الفطرة». وروي باللفظ الذي ذكره ابن عبد البر: «كل مولودٍ يولد على الفطرة» عند أبي عوانة (١٠٠٥٣) وابن حبان» (٦٥٥) من طريق النضر بن شميل عن عوفٍ به. والأول أشبه، لوروده في عامَّة الطرق، ولأن الشأن هنا ليس فيمن وُلد على الفطرة وهم كل المواليد، بل فيمن مات على الفطرة قبل أن يبلغ الحنث مُهَوَّدًا أو مُنَصَّرًا. والظاهر أن اللفظ الثاني رواه النضر بالمعنى حملًا له على الحديث الآخر المشهور. والله أعلم.
قال شيخنا١: أمَّا ما ذكره عن ابن المبارك ومالك فيمكن أن يقال: إنَّ المقصود أنَّ آخر الحديث يبيِّن أنَّ الأولاد قد سبق في علم الله ما يعملون إذا بلغوا، وأنَّ منهم مَن يؤمن فيدخل الجنة، ومنهم مَن يكفر فيدخل النار، فلا يُحتجُّ بقوله: «كل مولود يُولَد على الفطرة» على نفي القدر كما احتجت القدرية به، ولا على أنَّ أطفال الكفار كلَّهم في الجنة لكونهم وُلِدوا على الفطرة، فيكون مقصود الأئمة أنَّ الأطفال على ما في آخر الحديث.
وأمَّا قول محمد، فإنَّه رأى الشريعة قد استقرَّت على أنَّ ولد الكافر يَتْبَع أبوَيْه في الدين في أحكام الدنيا، فيُحكَم له بحكم الكفر في أنَّه لا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يرِثه المسلمون، ويجوز استرقاقُه، وغير ذلك، فلم يَجُز لأحدٍ أن يحتجَّ بهذا الحديث على أنَّ حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين. وهذا حقٌّ، ولكنَّه ظنَّ أنَّ الحديث اقتضى الحكمَ لهم في الدنيا بأحكام أطفال المؤمنين، فقال: هذا منسوخٌ كان قبل الجهاد، لأنَّه بالجهاد أُبِيح استرقاق النساء والأطفال، والمؤمن لا يُسترَقُّ. ولكن كون الطفل يَتبَع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية أمرٌ ما زال مشروعًا، وما زال الأطفال تبعًا لآبائهم في الأمور الدنيوية، فالحديث لم يَقصِد بيانَ هذه الأحكام، وإنما قصَدَ ما وُلِدوا عليه من الفطرة.
وإذا قيل: إنَّه وُلِد على فطرة الإسلام أو خُلِق حنيفًا ونحو ذلك، فليس