أحكام أهل الذمة

قال: وأنكرَتْ أن يكون المولود يُفطَر على إيمانٍ أو كفرٍ، أو معرفة أو إنكارٍ.

قال شيخنا: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكُّن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيفٌ؛ فإنَّ مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة. ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حتى يُسأل عمَّن مات صغيرًا. ولأنَّ القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير.

وهو لمَّا نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا: إنَّهم أولاد المشركين قال: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ما من مولود إلا يولد على الفطرة»١. ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل.

وإن أراد بالفطرة القدرةَ على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فإذا فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها كان ذلك مستلزمًا للإيمان ولم يتخلَّف موجَبُه ومقتضاه.

فصل٢

قال أبو عمر٣: وقال آخرون معنى قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» يعني: البَدْأة٤ التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولودٌ على ما فطر الله عليه خلقه

  1. (١) جزء حديث الأسود بن سريع، تقدم تخريجه.
  2. (٢) انظر: «درء التعارض» (٨/ ٣٨٦) و«شفاء العليل» (٢/ ٤١٠).
  3. (٣) «التمهيد» (١٨/ ٧٨).
  4. (٤) رسمه يحتمل: «البَداءة»، وهما بمعنى.
159

من أنَّه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاوة، إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم واعتقادهم.

قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر: المبتدئ. فكأنَّه قال: يُولَد على ما ابتدأه عليه من الشقاء والسعادة، وغير ذلك ممَّا يصير إليه. واحتجوا بقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ اِلضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٨].

وروى بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: لم أَدرِ ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئرٍ، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها١.

وذكروا ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في دعائه: اللهم جبَّار القلوب على فِطراتها شقيها وسعيدها٢.

قال شيخنا: حقيقة هذا القول أنَّ كل مولود يُولَد على ما سبق في علم الله

  1. (١) أخرجه أيضًا أبو عبيد في «غريب الحديث» (٥/ ٤١٣) ــ ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» (١٥٥٩) ــ والطبري (٩/ ١٧٥).
  2. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠١٣٤) والطبراني في «الأوسط» (٩٠٨٩) والآجري في «الشريعة» (٤٢٠) وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (١٦٩٤) وغيرهم من رواية سلامة الكندي ــ وهو مجهول، وفي رواية ابن أبي شيبة أُبهم الراوي فلم يُسمَّ ــ عن علي بن أبي طالب ﵁ في دعاء طويل متكلَّفٍ فيه.
    قال ابن كثير: هذا مشهور من كلام علي إلا أنَّ في إسناده نظرًا. وضعَّفه السخاوي، وقال الألباني: منكر. انظر: «تفسير ابن كثير» (الأحزاب: ٥٦) و«القول البديع» (ص ١١٨ - ١٢١) و«الضعيفة» (٦٥٤٤).
160

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي