أحكام أهل الذمة

أنه صائرٌ إليه، ومعلومٌ أنَّ جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم هي مولودةٌ على ما سَبَق في علم الله لها، والأشجار مخلوقةٌ على ما سبق في علم الله، وحينئذ فيكون كلُّ مخلوقٍ قد خلق على الفطرة.

وأيضًا: فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه»١ معنًى، فإنَّهما فَعَلا به ما هو الفطرة التي وُلِد عليها. وعلى هذا القول فلا فرق في الفطرة بين التهويد والتنصير وبين تلقين الإسلام، فإنَّ ذلك كلَّه داخلٌ٢ فيما سبق به العلم.

وأيضًا: فتمثيله ذلك بالبهيمة قد وُلدت جمعاء ثم جدعت يبيِّن أن أبويه غيَّرا ما وُلِد عليه.

وأيضًا: فقوله: «على هذه الملة» وقوله: «إني خلقت عبادي حنفاء»٣ مخالفٌ لهذا.

وأيضًا: فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان، فإنَّه مِن حين كان جنينًا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في عِلم الله، فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيصٌ بغير مخصصٍ.

وقد ثبت في «الصحيح»٤ أنَّه قبل نفخ الروح فيه يُكتَب رزقه، وأجله

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) في هامش الأصل: «واحد»، خلاف مصدر النقل.
  3. (٣) سبق تخريجهما.
  4. (٤) للبخاري (٧٤٥٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وأخرجه مسلم (٢٦٤٣) أيضًا، ولكن ليس فيه التصريح بأن الكتابة قبل النفخ.
161

وعمله، وشقي أو سعيد. فلو قيل: كل مولود يُنفَخ فيه الرُّوح على الفطرة لكان أشبه بهذا القول، مع أنَّ النفخ هو بعدَ الكتابة.

فصل١

قال أبو عمر٢: قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيهٌ بما حكاه أبو عبيد عن ابن المبارك.

قال محمد: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه.

قال أبو عمر: ما رسمه مالك في «موطئه» وذكره في أبواب القدر، فيه من الآثار ما يدلُّ على أنَّ مذهبه في ذلك نحو هذا.

قال شيخنا: أئمة السنة مقصودهم أنَّ الخلق كلَّهم صائرون إلى ما سبق في علم الله من إيمانٍ وكفرٍ، كما في الحديث الآخر: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طُبع يوم طُبع كافرًا»٣، والطبع: الكتاب، أي: كُتِب كافرًا، كما قال: «فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد»٤.

وليس إذا كان الله قد كتبه كافرًا يقتضي أنَّه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنَّه لا بدَّ أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير. كما أنَّ البهيمة التي وُلدت جمعاء وقد سبق في علمه أنَّها تُجدَع= كَتَب أنها مجدوعةٌ بجدعٍ يَحدُث لها بعد الولادة، ولا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعةً.

  1. (١) انظر: «درء التعارض» (٨/ ٣٨٨) و«شفاء العليل» (٢/ ٤١٢).
  2. (٢) في «التمهيد» (١٨/ ٧٩).
  3. (٣) أخرجه مسلم (٢٦٦١)، وقد سبق (ص ١١٢).
  4. (٤) جزء من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ المتفق عليه، وقد سبق آنفًا.
162

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي