وعمله، وشقي أو سعيد. فلو قيل: كل مولود يُنفَخ فيه الرُّوح على الفطرة لكان أشبه بهذا القول، مع أنَّ النفخ هو بعدَ الكتابة.
فصل١
قال أبو عمر٢: قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيهٌ بما حكاه أبو عبيد عن ابن المبارك.
قال محمد: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه.
قال أبو عمر: ما رسمه مالك في «موطئه» وذكره في أبواب القدر، فيه من الآثار ما يدلُّ على أنَّ مذهبه في ذلك نحو هذا.
قال شيخنا: أئمة السنة مقصودهم أنَّ الخلق كلَّهم صائرون إلى ما سبق في علم الله من إيمانٍ وكفرٍ، كما في الحديث الآخر: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طُبع يوم طُبع كافرًا»٣، والطبع: الكتاب، أي: كُتِب كافرًا، كما قال: «فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد»٤.
وليس إذا كان الله قد كتبه كافرًا يقتضي أنَّه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنَّه لا بدَّ أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير. كما أنَّ البهيمة التي وُلدت جمعاء وقد سبق في علمه أنَّها تُجدَع= كَتَب أنها مجدوعةٌ بجدعٍ يَحدُث لها بعد الولادة، ولا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعةً.
(٤) جزء من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ المتفق عليه، وقد سبق آنفًا.
فصل
وكلام أحمد في أجوبة متعدِّدة يدلُّ على أنَّ الفطرة عنده: الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنَّه آخر قوليه، فإنَّه كان يقول: إنَّ صبيان أهل الحرب إذا سُبُوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإذا كانوا مع الأبوين فهم على دينهما، وإن سُبُوا مع أحدهما ففيه روايتان، وكان يحتج بالحديث.
ثم ذكر١ نصَّ أحمد في رواية المروذي في سبي أهل الحرب أنَّهم مسلمون إذا كانوا صغارًا، وإن كانوا٢ مع أحد الأبوين، واحتج بقوله: «كل مولود يُولَد على الفطرة» الحديث.
وذكر نصَّه في رواية إسحاق بن منصور٣: إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم. وكذلك نقل يعقوب بن بختان٤، قال أبو عبد الله: إذا مات أبواه، وهو صغيرٌ أُجبِر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه».
وقال في رواية عبد الكريم بن الهَيثَم العاقولي٥ في المجوسيين يُولَد لهما ولدٌ فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين ثم يُتوفَّى، قال: يدفنه المسلمون، قال النبي ﷺ: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه».
(١) أي: شيخ الإسلام في «الدرء» (٨/ ٣٩٠) نقلًا عن «جامع الخلال» (١/ ٩٧).
(٢) في الأصل: «كان»، والتصحيح من مصدر النقل.
(٣) في «مسائله» (٢/ ٨٤)، وشيخ الإسلام صادر عن «جامع الخلال» (١/ ١٠٠).