وقال في رواية المَرُّوذي١ في الأبوين الكافرين يموتان ويدعان طفلًا: يكون مسلمًا لقول النبي ﷺ: «فأبواه يهودانه وينصرانه»، وهذا ليس له أبوان. قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون لقول النبي ﷺ.
وهذا كثيرٌ في أجوبته، يحتج بالحديث على أنَّ الطفل إنَّما يصير كافرًا بأبويه، فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرةُ الإسلامَ لم يكن بعدم أبويه يصير مسلمًا، فإنَّ الحديث إنَّما دلَّ على أنَّه يُولَد على الفطرة. ونقل عنه الميموني٢: أنَّ الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى.
فهذا آخر قولَي أبي عبد الله في الفطرة، وقد كان يقول أولًا: إنها ما فطروا عليه من الشقاوة والسعادة.
قال محمد بن يحيى الكحَّال: قلت لأبي عبد الله: «كل مولود يولد على الفطرة» ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي [فطر]٣ الله الناس عليها: شقي أو سعيد.
وكذلك نقل الفضل بن زياد وحنبل وأبو الحارث أنَّهم سَمِعوا أبا عبد الله في هذه المسألة قال: الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقوة والسعادة.
وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنَّه سأله عن قوله: «كل مولود يولد على
(١) في «جامع الخلال» (١/ ٨٩).
(٢) كما في «الجامع» (١/ ٧٧).
(٣) زيادة لازمة من مصدر المؤلف.
الفطرة»، قال: على الشقاء والسعادة، وإليه يرجع كل ما خلق١.
وكذلك قال في رواية الحسن بن ثواب٢: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يُولَد على الفطرة التي خُلِقوا عليها من الشقاوة والسعادة التي سبقت في أم الكتاب؛ أَرفَعُ٣ ذلك إلى الأصل٤.
قلتُ: أصحاب هذا القول يحتجون بقوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾[التغابن: ٢]، وبقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ اِلضَّلَالَةُ﴾[الأعراف: ٢٩ - ٣٠]، وبقوله ﷺ في خلق الجنين: «ثم يُبعَث إليه الملك فيُؤمَر بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد»٥، وبقوله: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طُبِع يومَ طُبِع كافرًا»٦، وبالآثار المعروفة: الشقي من شقي في بطن أمه٧، وغير ذلك من الآثار الدالة على القدر السابق، وأن الشقاوة والسعادة بقضاءٍ سابقٍ وقدرٍ
(١) الروايات السابقة كلها في «الجامع» (١/ ٧٩). والمؤلف صادر عن «درء التعارض» (٨/ ٣٩٥) وما بعدها.
(٢) في الأصل: «أيوب»، والمثبت من هامشه الصواب. والرواية في «الجامع» (١/ ٧٧).
(٣) في الأصل: «لدفع»، تصحيف. والمثبت من «درء التعارض» (٨/ ٣٩٦)، ويحتمل ضبطه: «ارْفَعْ» أمرًا. هذا، ولفظه في «الجامع»: «أرجع في ذلك»، وهو الذي قد سبق (ص ١٠٣) أن نقله المؤلف من «الجامع» مباشرةً.
(٤) هنا انتهى النقل عن «الدرء» الذي بدأ (ص ١٥٤).
(٥) جزء من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ المتفق عليه، وقد تقدم قريبًا.
(٦) أخرجه مسلم (٢٦٦١)، وقد تقدم غير مرة.
(٧) أخرجه مسلم (٢٦٤٥) عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه.