قال أبو عمر٢: وقال آخرون: معنى قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» أنَّ الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم، فقال: ألستُ بربكم؟ قالوا جميعًا: بلى، فأمَّا أهل السعادة، فقالوا: بلى، على معرفةٍ له طوعًا من قلوبهم، وأمَّا أهل الشقاوة فقالوا: بلى، كَرهًا غيرَ طوعٍ.
قال محمد بن نصرٍ المروزي٣: سمعت إسحاق بن إبراهيم ــ يعني: ابن راهويه ــ يذهب إلى هذا المعنى، واحتجَّ بقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾[الروم: ٣٠]٤. قال إسحاق: يقول: لا تبديل للخِلقة التي جَبَل عليها ولدَ آدمَ كلَّهم، يعني مِن الكفر والإيمان، والمعرفة والإنكار.
(٣) لعله في كتاب «الرد على ابن قتيبة». وما زال النقل من «التمهيد» بواسطة «الدرء».
(٤) سبق تخريجه.
واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنَّها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، قالوا: بلى، فقال: انظروا أن لا١ تقولوا: إنَّا كنَّا عن هذا غافلين، أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل.
وذكر٢ حديث أُبَيِّ بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر٣. قال: وكان الظاهر ما قاله موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾[الكهف: ٧٣]، فأعلم اللهُ سبحانه الخضرَ ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فُطِر عليها، وأنَّه لا تبديل لخلق الله، فأمره بقتله لأنَّه كان قد طُبِع يومَ طُبِع كافرًا.
قال إسحاق: فلو ترك النبي ﷺ الناس ولم يبيِّن لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنَّهم لا يدرون ما جُبِل كلُّ واحدٍ عليه حين أُخرج من ظهر آدم، فبيَّن النبي ﷺ حكمَ الدنيا في الأطفال: «أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، يقول: أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن
(١) أُعلِم عليها بالحمرة، ولم أتبيَّن المراد، ولعلها إشارة إلى استشكال الناسخ لها أو إلى عدم وجودها في نسخة أخرى.
(٢) أي: إسحاق احتجاجًا لقوله.
(٣) وهو قوله ﷺ: «الغلام الذي قتله الخضر طبعه اللهُ يوم طبعه كافرًا». هذا لفظ إسحاق بإسناده، كما في «التمهيد» (١٨/ ٨٦). وقد أخرجه مسلم (٢٦٦١) بنحوه، وقد سبق غير مرة.