أحكام أهل الذمة

إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩]، قال إسحاق: يقول: لا تبديل للخِلقة التي جبل عليها؛ فهذه الآية فيها قولان:

أحدهما: أن معناها النهي، أي: لا تُبدِّلوا دين الله الذي فطر عليه عباده. وهذا قول غير واحد من المفسرين لم يذكروا غيره كالثعلبي والزمخشري١، واختيار ابن جرير٢.

والثاني: ما قاله إسحاق: أنَّها خبرٌ على ظاهرها، وأنَّ خلق الله لا يبدِّله أحدٌ، وهذا أصحُّ.

وحينئذ فيقال: المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا يُبدَّل٣، فلا يُخلَقون على غير الفطرة، لا يقع هذا قط. والمعنى: أن الخلق لا يتبدَّل، فيُخلقوا على غير الفطرة. ولم يُرِد بذلك أنَّ الفطرة لا تتغيَّر بعد الخلق، بل نفس الحديث يبيِّن أنَّها تتغيَّر، ولهذا شبَّهها بالبهيمة التي تُولَد جمعاء ثم تُجدَع، ولا تُولَد قط بهيمةٌ مخصيَّةً ولا مجدوعةً، وقد قال تعالى عن الشيطان: ﴿وَلَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ١١٨]، فالله تعالى أَقدَرَ الخلقَ على أن يغيِّروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته.

وأمَّا تبديل الخلق بأن يُخلَقوا على غير تلك الفطرة، فهذا لا يقدر عليه

  1. (١) «الكشف والبيان» (٢١/ ١٥١) و«الكشاف» (١٢/ ٢٤٥ - فتوح الغيب).
  2. (٢) «تفسير الطبري» (١٨/ ٤٩٤).
  3. (٣) في الأصل: «لا تبديل». والتصحيح من «الدرء».
176

إلا الله، واللهُ لا يفعله، كما قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾. ولم يقُل: لا تغيير، فإنَّ تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله، فلا يكون خلقٌ بدل هذا الخلق، ولكن إذا غُيِّر بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الوِلادة قد حصل بَدَلُه.

وأمَّا قوله: «لا تبديل للخلقة التي جُبِل عليها ولدُ آدم كلُّهم من كفر وإيمان»، فإن عنى بها أنَّ ما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه، فهذا حقٌّ. ولكن ذلك لا يقتضي أنَّ تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنعٌ، ولا أنَّه غير مقدورٍ، بل العبد قادرٌ على ما أمره الله به من الإيمان، وعلى ترك ما نهى الله عنه من الكفر، وعلى أن يُبدِّل حسناتِه بالسيئات، وسيئاته بالتوبة، كما قال: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النمل: ١١]، وقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اُللَّهُ سَيِّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. وهذا التبديل كلُّه بقضاء الله وقدَره. وهذا بخلاف ما فُطِروا عليه حين الولادة، فإنَّ ذلك خلق الله الذي لا يَقدِر على تبديله غيرُه، وهو سبحانه لا يبدِّله قط، بخلاف تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس، فإنَّه يبدِّله والعبد قادرٌ على تبديله بإقدار الله له على ذلك.

وممَّا يبيِّن ذلك أنَّه قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩]، [فهذه فطرة محمودة أَمَر الله بها نبيه، فكيف تنقسم إلى كفر وإيمان مع أَمْرِ الله تعالى بها؟!

وقد تقدَّم تفسير السلف: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾]١ بأنَّه دين الله،

  1. (١) ما بين الحاصرتين سقط من الأصل لانتقال النظر. واستُدرك من «درء التعارض» (٨/ ٤٢٦) باللفظ الذي نقله به المؤلف في «شفاء العليل» (٢/ ٤٣٠)، وفيه اختصار يسير.
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي