أحكام أهل الذمة

ومنهم مَن فسره بأنَّه تبديل الخلقة بالخصاء ونحوه، ولم يقل أحد منهم إنَّ المراد: لا تبديل لأحوال العباد من إيمانٍ إلى كفرٍ، ولا من كفرٍ إلى إيمانٍ؛ إذ تبديل ذلك موجود، وما وقع فهو الذي سبق به القدَر، والله عالمٌ بما سيكون، لا يقع خلاف معلومه، لكن إذا وقع التبديل كان هو الذي عَلِمه، وإن لم يقع كان عالمًا بأنَّه لا يقع.

وأمَّا قوله: «إن الغلام الذي قتله الخضر طُبِع يومَ طُبِع كافرًا»، فالمراد به: كُتِب وخُتِم، ولفظ «الطبع» لمَّا كان يستعمله كثيرٌ من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى الجِبِلَّة والخليقة ظنَّ الظَّانُّ أنَّ هذا مراد الحديث.

وهذا الغلام الذي قتله الخضر يحتمل أنَّه كان بالغًا مكلَّفًا١ وسُمِّي غلامًا لقرب عهده بالبلوغ، وعلى هذا فلا إشكال فيه. ويحتمل أن يكون مميِّزًا عاقلًا وإن لم يكن بالغًا، وعليه يدل الحديث، وهو قوله: «ولو أدرك لأرهق أبويه»٢، وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون مكلَّفًا في تلك الشريعة إذ اشتراط البلوغ في التكليف إنَّما عُلِم بشريعتنا، ولا يمتنع تكليف المراهق العاقل عقلًا، كيف وقد قال جماعةٌ من العلماء: إنَّ المميِّزين مكلَّفون بالإيمان قبل الاحتلام؟ كما قاله طائفةٌ من أصحاب أبي حنيفة وأحمد، وهو

  1. (١) في المطبوع: «مطلقًا»، تحريف.
  2. (٢) وهو تتمة حديث أُبيٍّ السابق.
178

اختيار أبي الخطاب١، وعليه جماعةٌ من أهل الكلام.

وعلى هذا فيمكن أن يكون هذا الغلامُ مكلَّفًا بالإيمان قبل البلوغ. ولو لم يكن مكلَّفًا، فكُفر الصبيِّ المميِّز معتبرٌ عند أكثر العلماء، فإذا ارتدَّ عندهم صار مرتدًّا له أحكام المرتدِّين، وإن كان لا يُقتَل حتى يَبلُغ فيثبت عليه٢ كفره. واتفقوا على أنَّه يُضرَب ويُؤدَّب على كفره أعظمَ ممَّا يُؤدَّب على ترك الصلاة.

فإن كان الغلام الذي قتله الخضر بالغًا فلا إشكال، وإن كان مراهقًا غير بالغٍ فقتله جائزٌ في تلك الشريعة، لأنَّه قتله بأمر الله. كيف وهو إنَّما قتله دفعًا لصوله على أبويه في الدين؟ كما قال: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠]. والصبي لو صال على المسلم في بدنه أو ماله ولم يندفع صياله إلا بقتله٣ جاز قتله. بل الصبي إذا قاتل المسلمين قُتِل.

ولكن مِن أين يُعلَم أنَّ هذا الصبي اليوم يصول على أبويه أو غيرهما في دينهما حتى يَفتِنَهما عنه؟ فإنَّ هذا غيبٌ لا سبيلَ لنا إلى العلم به. ولهذا علَّق ابن عباس الفُتيا به فقال لنَجْدة٤ لمَّا استفتاه في قتل الغلمان: إنْ علِمتَ منهم ما علم الخَضِر من ذلك الغلام فاقْتُلْهم، وإلا فلا. رواه مسلم في

  1. (١) لم أقف عليه في كتب أبي الخطاب.
  2. (٢) في هامش الأصل: «على».
  3. (٣) في الأصل: «لا اسام»، غير محرَّر. والمثبت من هامشه.
  4. (٤) في هامش الأصل: «اغده»، غير محرر. ونجدة بن عامر الحروري من الخوارج.
179

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي