وعلى هذا فيمكن أن يكون هذا الغلامُ مكلَّفًا بالإيمان قبل البلوغ. ولو لم يكن مكلَّفًا، فكُفر الصبيِّ المميِّز معتبرٌ عند أكثر العلماء، فإذا ارتدَّ عندهم صار مرتدًّا له أحكام المرتدِّين، وإن كان لا يُقتَل حتى يَبلُغ فيثبت عليه٢ كفره. واتفقوا على أنَّه يُضرَب ويُؤدَّب على كفره أعظمَ ممَّا يُؤدَّب على ترك الصلاة.
فإن كان الغلام الذي قتله الخضر بالغًا فلا إشكال، وإن كان مراهقًا غير بالغٍ فقتله جائزٌ في تلك الشريعة، لأنَّه قتله بأمر الله. كيف وهو إنَّما قتله دفعًا لصوله على أبويه في الدين؟ كما قال: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾[الكهف: ٨٠]. والصبي لو صال على المسلم في بدنه أو ماله ولم يندفع صياله إلا بقتله٣ جاز قتله. بل الصبي إذا قاتل المسلمين قُتِل.
ولكن مِن أين يُعلَم أنَّ هذا الصبي اليوم يصول على أبويه أو غيرهما في دينهما حتى يَفتِنَهما عنه؟ فإنَّ هذا غيبٌ لا سبيلَ لنا إلى العلم به. ولهذا علَّق ابن عباس الفُتيا به فقال لنَجْدة٤ لمَّا استفتاه في قتل الغلمان: إنْ علِمتَ منهم ما علم الخَضِر من ذلك الغلام فاقْتُلْهم، وإلا فلا. رواه مسلم في
(١) لم أقف عليه في كتب أبي الخطاب.
(٢) في هامش الأصل: «على».
(٣) في الأصل: «لا اسام»، غير محرَّر. والمثبت من هامشه.
(٤) في هامش الأصل: «اغده»، غير محرر. ونجدة بن عامر الحروري من الخوارج.
«صحيحه»١.
ولكن يقال: قاعدة الشرع والجزاء أنَّ الله سبحانه لا يُعاقِب العِباد بما سيعلم أنَّهم يفعلونه، بل لا يُعاقِبهم إلا بعدَ فِعلهم ما يعلمون أنَّه نهى عنه وتقدَّم إليهم بالوعيد على فعله. وليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وإنَّما فيها عِلمه بأسبابٍ تقتضي أحكامها، ولم يعلم موسى تلك الأسباب، مثل علمه بأنَّ السفينة كانت لمساكين، وأنَّ وراءهم ملكًا ظالمًا٢ إن رآها أخذها. فكان قلْعُ لوحٍ منها لتَسلَم جميعُها ثم يُعيده من أحسن الأحكام، وهو من دفع أعظم الشرَّين باحتمال أيسرهما. وعلى هذا، فإذا رأى إنسانٌ ظالمًا يستأصل مالَ مسلمٍ غائبٍ فدفعه عنه ببعضه كان محسنًا، ولم يلزمه ضمانُ ما دفعه إلى الظالم قطعًا، فإنَّه مُحسن وما على المحسنين من سبيل. وكذلك لو رأى حيوانًا مأكولًا لغيره يموت فذكَّاه لكان محسنًا ولم يلزمه ضمانه.
وكذلك كون الجدار لغلامَين يتيمَين وأبوهما كان صالحًا أمرٌ يعلمه الناس، ولكن خفي على موسى.
وكذلك كفر الصبي يمكن أن يعلمه الناسُ حتى أبواه، ولكن لحُبِّهما إياه لا يُنكِران عليه ولا يقبل منهما. وإذا كان الأمر كذلك فليس في الآية حجةٌ على أنَّه قَتل لِما يتوقع من كفره.
ولو قُدِّر أنَّ ذلك الغلام لم يكفر أصلًا، ولكن سبق في علم الله أنَّه إذا بلغ