أحكام أهل الذمة

الأبوين لأنَّهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال، فإنَّ كلَّ طفلٍ فلا بدَّ له من أبوين، وهما اللذان يربِّيانه مع بقائهما وقدرتهما.

ومما يبيِّن ذلك: قولُه في الحديث الآخر: «كلُّ مولود يُولَد على الفطرة حتى يُعرِب عنه لسانُه، فإمَّا شاكرًا وإمَّا كَفورًا»١، فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميِّز، فحينئذ يَثبُت له أحد الأمرين. ولو كان كافرًا في الباطن بكفر الأبوين لكان ذلك من حين يُولَد قبل أن يُعرِب عنه لسانُه.

وكذلك قوله في حديث عياض بن حمارٍ فيما يروي عن ربه ﵎: «إنَّي خَلقتُ عبادي حُنفاء، فاجتالتهم الشياطين وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنَزِّلْ به سُلطانًا»٢ = صريحٌ في أنَّهم خُلِقوا على الحنيفية، وأنَّ الشياطين اجتالتْهم وحرَّمتْ عليهم الحلال وأمرتْهم بالشرك. فلو كان الطفل يصير كافرًا في نفس الأمر من حينِ يُولَد، لكونه يتبع أبوَيه في الدِّين، قبل أن يعلِّمه أحدٌ الكفرَ ويلقِّنه إيَّاه= لم يكن الشياطين هم الذين غيَّروهم٣ عن الحنيفية وأمروهم بالشرك، بل كانوا مشركين من حينِ وُلِدوا تبعًا لآبائهم.

ومَنشَأ الاشتباه في هذه المسألة: اشتباهُ أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإنَّ أولاد الكفار لمَّا كانت تجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الوِلاية عليهم لآبائهم، وحضانةِ آبائهم لهم، وتمكينِ

  1. (١) أخرجه أحمد (١٤٨٠٥) من حديث جابر، وقد سبق.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وقد سبق.
  3. (٣) في الأصل: «غيَّرهم»، خطأ.
183

آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثةِ بينهم وبين آبائهم، واسترقاقِهم إذا كان آباؤهم محاربين، وغير ذلك= صار يظُنُّ من يظُنُّ أنَّهم كفارٌ في نفس الأمر كالذي تكلَّم بالكفر وأراده وعمل به.

ومن هنا قال مَن قال: إنَّ هذا الحديث كان قبل أن تنزل الأحكام، كما قاله محمد بن الحسن١. وقد ردَّ عليه هذا القول غيرُ واحدٍ من الأئمة، فمنهم محمد بن نصر، قال في «كتاب الرد على ابن قتيبة»٢: وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن الحسن أنَّه سأله عن تفسير «كل مولودٍ يولد على الفطرة»، فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد= فإنَّ هذا رجلٌ سُئِل عمَّا لم يُحسِنْه، فلم يدرِ ما يجيب فيه، وأَنِف أن يقول: لا أدري، فأجابه عن غير ما سأله عنه، فادَّعى أنَّه منسوخٌ، وإنَّما سأله أبو عبيد عن تفسير الحديث، ولم يسأله: أناسخٌ هو أو منسوخٌ؟ فكان الذي يجب عليه أن يفسِّر الحديثَ أولًا إن كان يُحسِن تفسيرًا، فيكون قد أجابه عمَّا سأله، ثم يخبر أنه منسوخٌ.

والذي ادَّعاه في هذا أنَّه منسوخٌ غيرُ جائزٍ، لأنَّ مَن أخبر عن شيء ثم أخبر عنه بخلاف ذلك كان مُكذِّبًا لنفسه، وذلك غيرُ جائز على الله تعالى ولا على رسوله ﷺ، لأنَّ مَن قال: سمعت كذا، أو رأيت كذا، ثم قال بعدُ: لم يكن ما أخبرت أنِّي سمعتُه ورأيتُه، أو أخبر أنَّ شيئًا سيكون، ثم أخبر أنَّه لا

  1. (١) فيما نقله عنه أبو عُبيد في «غريبه»، وقد سبق (ص ١٠٤). وإلى هنا كان نقل المؤلف من «الدرء» (٨/ ٤٣٣)، وسيعود إليه بعد سياق ردِّ المروزي على محمد بن الحسن.
  2. (٢) تقدم ذكره والنقل منه (ص ١٠٥ وما بعدها).
184

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي