آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثةِ بينهم وبين آبائهم، واسترقاقِهم إذا كان آباؤهم محاربين، وغير ذلك= صار يظُنُّ من يظُنُّ أنَّهم كفارٌ في نفس الأمر كالذي تكلَّم بالكفر وأراده وعمل به.
ومن هنا قال مَن قال: إنَّ هذا الحديث كان قبل أن تنزل الأحكام، كما قاله محمد بن الحسن١. وقد ردَّ عليه هذا القول غيرُ واحدٍ من الأئمة، فمنهم محمد بن نصر، قال في «كتاب الرد على ابن قتيبة»٢: وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن الحسن أنَّه سأله عن تفسير «كل مولودٍ يولد على الفطرة»، فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد= فإنَّ هذا رجلٌ سُئِل عمَّا لم يُحسِنْه، فلم يدرِ ما يجيب فيه، وأَنِف أن يقول: لا أدري، فأجابه عن غير ما سأله عنه، فادَّعى أنَّه منسوخٌ، وإنَّما سأله أبو عبيد عن تفسير الحديث، ولم يسأله: أناسخٌ هو أو منسوخٌ؟ فكان الذي يجب عليه أن يفسِّر الحديثَ أولًا إن كان يُحسِن تفسيرًا، فيكون قد أجابه عمَّا سأله، ثم يخبر أنه منسوخٌ.
والذي ادَّعاه في هذا أنَّه منسوخٌ غيرُ جائزٍ، لأنَّ مَن أخبر عن شيء ثم أخبر عنه بخلاف ذلك كان مُكذِّبًا لنفسه، وذلك غيرُ جائز على الله تعالى ولا على رسوله ﷺ، لأنَّ مَن قال: سمعت كذا، أو رأيت كذا، ثم قال بعدُ: لم يكن ما أخبرت أنِّي سمعتُه ورأيتُه، أو أخبر أنَّ شيئًا سيكون، ثم أخبر أنَّه لا
(١) فيما نقله عنه أبو عُبيد في «غريبه»، وقد سبق (ص ١٠٤). وإلى هنا كان نقل المؤلف من «الدرء» (٨/ ٤٣٣)، وسيعود إليه بعد سياق ردِّ المروزي على محمد بن الحسن.
(٢) تقدم ذكره والنقل منه (ص ١٠٥ وما بعدها).
يكون= فقد أكذب نفسَه فيما أخبر، ودلَّ على أنَّه أخبر بما لا يعلمه، أو تعمَّد الكذب، أو قال بالظَّنِّ وكان جاهلًا ثمَّ رجع عن ظنِّه.
ولا يُعلَم أحدٌ يجوِّز الناسخ في أخبار الله غير صنفٍ من الروافض يصفونه بالبداء، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فلم يزل الله سبحانه عالمًا بما يكون، ومريدًا لما علم أنَّه سيكون، لم يستحدث علمًا لم يكن، ولا إرادةً لم تكن. فإذا أخبر عن شيء أنه كائنٌ فغيرُ جائزٍ أن يخبر أبدًا عن ذلك الشيء أنَّه لا يكون، لأنَّه لم يخبر أنَّه كائنٌ إلا وقد عَلِم أنَّه كائنٌ وأراد أن يكون، وهو الفاعل لِما يريد، العالِم بعواقب الأمور، لا تبدو له البَدَوات، ولا تحُلُّ به الحوادث، ولا تعتقبه الزيادة والنقصان. فقول النبي ﷺ: «كل مولودٍ يولد على الفطرة» خبرٌ منه عن كل مولودٍ أنَّه يُولَد على الفطرة، فغير جائز أن يخبر أبدًا بخلاف ذلك فيقول: إنَّ كل مولودٍ يولد على غير الفطرة.
قال: وتفسير الحديث يدلُّ على خلاف ما قال ابن الحسن؛ قال الأسود بن سريع: غزوت مع النبي ﷺ فقتل الناس يومئذٍ حتى قتلوا١ الذرية، فقال النبي ﷺ: «كل مولودٍ يولد على الفطرة»، فأخبر أن النبي ﷺ قال في غزوةٍ: «كل مولودٍ يولد على الفطرة»، فأبان أنَّ هذا القول كان من النبي ﷺ بعد الأمر بالجهاد، وزعم محمد بن الحسن أنَّ هذا القول كان من النبي ﷺ قبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد، فخالف الخبر.
والراوي لهذا الخبر عن النبي ﷺ أبو هريرة والأسود بن سريعٍ وسمرة٢.