أحكام أهل الذمة

وكلُّ هؤلاء لم يُدرِك أوَّل الإسلام؛ أسلم أبو هريرة قبل وفاة النبي ﷺ بنحوٍ من ثلاث سنين أو أربع، وكذلك الأسود بن سريعٍ وسَمُرة لم يدركا١ أول الإسلام، فقوله: كان هذا في أوَّل الإسلام باطلٌ. انتهى كلامه.

قال شيخنا٢: فإذا عُرِف أنَّ كونهم وُلِدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.

قال: وقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمنٌ في الباطن يَكتُم إيمانَه فيَقتُله المسلمون، ولا يُصلُّون عليه، ويُدفَن في مقابر الكفار وتربة الكفار، وهو في الآخرة من أهل الجنة. كما أنَّ المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار. فحكم الدار الآخرة غير حكم دار الدنيا.

وقوله: «كل مولودٍ يولد على الفطرة» إنَّما أراد به الإخبار بالحقيقة التي خُلِقوا عليها، وعليها الثواب في الآخرة إذا عمل بمُوجَبها وسَلِمت عن المعارض. لم يُرِد به الإخبار بأحكام الدنيا، فإنَّه قد عُلِم بالاضطرار من شرع الرسول ﷺ أنَّ أولاد الكفار يكونون تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا، وأنَّ أولادهم لا يُنزَعون منهم إذا كان للآباء ذِمَّةٌ، وإن كانوا محاربين استُرِقَّت أولادهم، ولم يكونوا كأولاد المسلمين.

ولا نِزاع بين المسلمين أنَّ أولاد الكفار الأحياء مع آبائهم، لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما: هل يُحكم بإسلامه؟

  1. (١) في الأصل: «يدرك»، ولعل المثبت أشبه.
  2. (٢) في «الدرء» (٨/ ٤٣٣).
186

قلت: وفيه عن أحمد ثلاث روايات منصوصات١:

إحداها: أنَّه يصير مسلمًا، واحتجَّ بالحديث.

والثانية: لا يصير بذلك مسلمًا، وهي قول الجمهور، واختيار شيخنا.

والثالثة: إنْ كَفَله المسلمون كان مسلمًا، وإلا فلا. وهي الرواية التي اخترناها، وذكرنا لفظ أحمد ونصَّه فيها٢.

واحتجَّ شيخنا على أنَّه لا يُحكم بإسلامه بأنَّه إجماعٌ قديمٌ من السلف والخلف. قال: وهو ثابتٌ بالسنة التي لا ريب فيها، فقد عُلِم أنَّ أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله ﷺ بالمدينة، ووادي القرى، وخيبر، ونجران، وأرض اليمن، وغير ذلك، وكان فيهم من يموت وله ولدٌ صغيرٌ، ولم يحكم النبي ﷺ بإسلام يتامى أهل الذمة. وكذلك خلفاؤه، كان أهل الذمة في زمانهم طَبَق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان، وفيهم مِن يتامى أهل الذمة عددٌ كثيرٌ، ولم يحكموا بإسلام أحدٍ منهم، فإنَّ عقد الذِّمَّة اقتضى أن يتولى بعضُهم بعضًا، فهم يتولَّون حَضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولَّون٣ حضانة أولادهما.

وأحمد يقول: إنَّ الذمي إذا مات ورثه ابنُه الطفل، مع قوله: إنَّه يصير مسلمًا، لأنَّ أهل الذمة ما زال أولادهم يرثونهم، ولأنَّ الإسلام حصل مع

  1. (١) تقدَّمت (ص ٨٦ - ٩٤) من «جامع الخلال». وقد ذكر شيخ الإسلام في «الدرء» (٨/ ٤٣٤) الروايتين الأوليين دون الثالثة.
  2. (٢) انظر: (ص ١٠١).
  3. (٣) في المطبوع: «يتوليان». والمثبت من الأصل موافق لمصدر النقل.
187

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي