والثانية: لا يصير بذلك مسلمًا، وهي قول الجمهور، واختيار شيخنا.
والثالثة: إنْ كَفَله المسلمون كان مسلمًا، وإلا فلا. وهي الرواية التي اخترناها، وذكرنا لفظ أحمد ونصَّه فيها٢.
واحتجَّ شيخنا على أنَّه لا يُحكم بإسلامه بأنَّه إجماعٌ قديمٌ من السلف والخلف. قال: وهو ثابتٌ بالسنة التي لا ريب فيها، فقد عُلِم أنَّ أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله ﷺ بالمدينة، ووادي القرى، وخيبر، ونجران، وأرض اليمن، وغير ذلك، وكان فيهم من يموت وله ولدٌ صغيرٌ، ولم يحكم النبي ﷺ بإسلام يتامى أهل الذمة. وكذلك خلفاؤه، كان أهل الذمة في زمانهم طَبَق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان، وفيهم مِن يتامى أهل الذمة عددٌ كثيرٌ، ولم يحكموا بإسلام أحدٍ منهم، فإنَّ عقد الذِّمَّة اقتضى أن يتولى بعضُهم بعضًا، فهم يتولَّون حَضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولَّون٣ حضانة أولادهما.
وأحمد يقول: إنَّ الذمي إذا مات ورثه ابنُه الطفل، مع قوله: إنَّه يصير مسلمًا، لأنَّ أهل الذمة ما زال أولادهم يرثونهم، ولأنَّ الإسلام حصل مع
(١) تقدَّمت (ص ٨٦ - ٩٤) من «جامع الخلال». وقد ذكر شيخ الإسلام في «الدرء» (٨/ ٤٣٤) الروايتين الأوليين دون الثالثة.
(٢) انظر: (ص ١٠١).
(٣) في المطبوع: «يتوليان». والمثبت من الأصل موافق لمصدر النقل.
استحقاق الإرث ولم يحصل قبله.
قال في «المحرر»١: «ويرث من٢ جعلناه مسلمًا بموته، حتى لو تُصُوِّر موتُهما ــ يعني الأبوين ــ معًا لوَرِثهما». نصَّ عليه في رواية أبي طالب٣، ولفظ النصِّ في يهودي أو نصراني مات وله ولدٌ صغيرٌ فهو مسلم، إذا مات أبواه وَرِث أبويه.
وفيه رواية مخرجةٌ: أنه لا يرث، لأنَّ المانع من الميراث ــ وهو اختلاف الدين ــ قارن سببُه الحكمَ وهو الموت.
قال شيخنا٤: هذا مبني على أصلٍ: وهو أنَّ الأهلية والمحلية هل يشترط تقدُّمهما على الحكم، أو تكفي مقارنتهما؟ فيها قولان في المذهب أشهرهما الثاني، والأول مذهب الشافعي. وهنا اختلاف الدين مانعٌ، فهل يشترط في كونه مانعًا ثبوتُه قبل الحكم، أو تكفي المقارنة؟ فهنا قد اشترط التقدُّم، كما ذَكر في كتاب البيوع فيما إذا باع عبدَه شيئًا وكاتَبَه٥ في صفقةٍ واحدةٍ أنَّه يصح البيع٦، وفي الكتابة وجهان اتباعًا لأبي الخطاب والقاضي
(١) (٢/ ١٦٩). وهذا النقل ليس من «الدرء».
(٢) في مطبوعة «المحرر»: «ممن»، والأمر قريب فـ «من» هنا مفعول به، أي: يرث الطفلُ الأبوين اللذين جعلناه مسلمًا بموتهما.
(٣) كما في «جامع الخلال» (١/ ٨٩)، وقد سبقت بتمام نصِّها (ص ٩٤).
(٤) لم أجده في كتبه المطبوعة، ولعل ذلك من شرحه على «المحرر».
(٥) في الأصل: «أو كاتبه»، خطأ.
(٦) في «المحرر» (١/ ٣٠٩): «بطل البيع». وفي «الإنصاف» (١١/ ١٦٢): «بطل البيع، وهو الصحيح من المذهب ... وقيل: الصحة منصوص أحمد. واختاره القاضى، وابن عقيل فى النكاح، وأبو الخطاب».