أحكام أهل الذمة

ثابتٌ في ماله إلى حين الوفاة، واختلاف الدين ليس معين١ من جهة الوارث، فلا يسقط حقُّه من الميراث، كالطلاق في المرض. ويفارق العبدَ لأنَّه لا حقَّ له في الميراث، فلهذا إذا التقيا بعد الموت لم يرث.

وجوابٌ آخر: أنَّه لا يمتنع أن يحصل الميراث قبل اختلاف الدين، كما قال الجميع في رجلٍ مات وترك ابنين وألفَ درهمٍ وعليه دَينٌ ألفُ درهمٍ: إنهما لا يرثان الألف، ولو مات أحد الابنين وترك ابنًا، ثم أبرأ الغريمُ، أخذ ابنُ الميت حِصَّتَه بميراثه عن أبيه، وإن لم يكن مالكًا له حين الموت، لكن جعل في حكم من كان مالكًا لتقدُّم سببه.

قال شيخنا: أمَّا مسألة الحرية، فإنَّها تصلح أن تكون حجةً للقاضي لا حجةً عليه، لأنَّ الحرية شرطٌ كما أنَّ الكفر مانعٌ، وكما أنَّ مقارنة الشرط لا تؤثِّر ولا تفيد فيها، فكذلك مقارنة المانع. وهكذا كان القاضي قد نقض عليهم بهذه الصورة؛ أولًا ذكرها في جوابه، وهذا جيدٌ. ثم ذكرها في حجتهم مع أنَّ هذه الصورة فيها نظر، فإنَّ [الحرية]٢ حدثَتْ قبل انتقال الإرث إلى غيره.

قلت: وهذا من أصحِّ شيء، لأنَّ النسب علة الإرث، ولكن منع من إعمال النسب مانعُ الرق، ثم زال المانع قبل انتقال الإرث إلى غير الولد، فلو

  1. (١) كذا في الأصل، أخشى أن يكون فيه تصحيف.
  2. (٢) بياض في الأصل مقدار كلمة، وقدَّرها صبحي الصالح: «مقارنة المانع»، ولا يصح. والمثبت يؤيده قول المؤلف الآتي: «... مانع الرق، ثم زال المانع قبل انتقال الإرث إلى غير الولد».
190

مَنَعناه الإرثَ لعطَّلنا إعمال النسب في مقتضاه مع أنَّه لا مانعَ له حين اقتضائه، فإنَّ النسب١ اقتضى حُكمَه بالموت، وهو في هذه الحال لا مانعَ له، وهذا ظاهرٌ جدًّا.

قال القاضي: فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحَّال وجعفر بن محمد٢ ــ واللفظ له ــ في نصراني مات، وله امرأةٌ نصرانيةٌ حُبلى، فأسلمَت بعد موته ثم وَلدَت: لا يرث الولد، إنَّما مات أبوه وهو لا يُعلَم ما هو، وإنما يرِث في الولادة، ويحكم [له بحكم]٣ بالإسلام. فظاهرُ هذا أنَّه حَكَم بإسلامه، ولم يَحكم بالميراث.

قيل: يحتمل أن يُخرَّج من هذا روايةٌ: أنَّا نحكم بإسلامه ولا نحكم له بالميراث، وهو القياس لئلَّا يرث مسلم من كافرٍ. ويحتمل أن يفرَّق بينهما، فإذا مات أحدهما ــ وهو مولودٌ ــ حُكم بإسلامه ووَرِثه، وإن كان حملًا حكم بإسلامه ولم يرثه. وهو ظاهر تعليل أحمد، لأنَّه قال: «إنَّما مات أبوه وهو لا يُعلَم ما هو»، لأنَّه إذا أسلمت الأمُّ فالمانع قويٌّ لأنَّه مُجمَعٌ عليه، وإذا مات الأب فهو ضعيف لأنه مختلفٌ فيه.

قلت: هذه الرواية لا تُعارِض نصَّه على الميراث في المسألة المتقدمة، لأنَّ الميراث إنَّما يثبت بالوضع، والإسلام قد تقدَّم عليه، وأنَّه ثبت له حكم الإسلام بسببين: متفقٍ عليه، ومختلفٍ فيه، وكلاهما سابقٌ على سبب

  1. (١) في الأصل: «السبب»، ولعل المثبت أولى.
  2. (٢) أسندهما الخلال في «الجامع» (٢/ ٤٠٧).
  3. (٣) من «الجامع»، ولعله سقط لانتقال النظر.
191

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي