أحكام أهل الذمة

شبَّه اللَّبَن بالفطرة لمَّا عُرِض عليه اللَّبَن والخمْر، واختار اللَّبَن، فقال له جبريل: «أصبتَ الفِطرةَ، ولو أخذتَ الخمرَ لَغَوَتْ أمَّتُك»١. والطفل مفطورٌ على أنَّه يختار شُربَ اللبن بنفسه، فإذا تمكَّن من الثدي لزم أن يرتضع لا مَحالة، فارتضاعه ضَروري إذ لم يوجَد معارض، وهو مولود على أن يرتضع. فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجَد معارض.

وأيضًا: فإنَّ حُبَّ النَّفس وخضوعَها لله تعالى وإخلاصَ الدين له، والكفرَ والشركَ والنفورَ والإعراضَ عنه= إمَّا أن تكون نسبتهما إلى الفطرة سواءً، أو٢ الفطرة مقتضية للأول دون الثاني. فإن كانا سواءً لزم انتفاء المدح، ولم يكن فرقٌ بين اقتضائها للكفر واقتضائها للإيمان، ويكون تمجيسها كتحنيفها، وهذا باطلٌ قطعًا.

وإن كان فيها مقتضٍ للأول دون الثاني، فإمَّا أن يكون المقتضي مستلزمًا لمقتضاه عند عدم المعارض، وإمَّا أن يكون متوقِّفًا على شخصٍ خارجًا٣

  1. (١) أخرجه البخاري (٣٤٣٧) ومسلم (١٦٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) في الأصل: «إذ»، تصحيف.
  3. (٣) كذا في الأصل منصوبًا على الحال.
200

عنها. فإن كان الأوَّل ثبت أنَّ ذلك من لوازمها، وأنَّها مفطورةٌ عليه١ لا يُفقَد إلا إذا أفسدت الفطرة. وإن قيل: إنَّه متوقِّفٌ على شخص، فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفيةً كما يجعلها مجوسيةً، وحينئذٍ فلا فرقَ بين هذا وهذا. وإذا قيل: هي إلى الحنيفية أميَل كان كما يقال: هي إلى النصرانية أميل.

فتبيَّن أنَّ فيها قوةً مُوجِبةً للحبِّ لله والذلِّ له وإخلاص الدين له، وأنَّها موجِبةٌ لمقتضاها إذا سَلِمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شُرب اللَّبن الذي فُطِرت على محبَّته وطلبه.

فصل٢

وممَّا يبيِّن هذا أنَّ كلَّ حركةٍ إراديةٍ فإنَّ المُوجِب لها قوةٌ في المريد، فإذا أمكن الإنسانَ أن يحبَّ اللهَ ويعبدَه ويُخلِصَ له الدين كان فيه قوةٌ تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحيِّ المريد الفاعل. ولا يشترط في إرادته إلا مجرَّد الشعور بالمراد، فما في النفوس من قوة المحبَّة لله إذا شعرت به يقتضي حبَّه إذا لم يحصل معارضٌ. وهذا موجودٌ في محبَّة الأطعمة والأشربة والنكاح، ومحبة العلم، وغير ذلك.

وإذا كان كذلك، وقد ثبت في النفس قوة المحبَّة لله والذلِّ له وإخلاص الدين له، وأنَّ فيها قوةَ الشعور به= لَزِم قطعًا وجود المحبَّة فيها والذلِّ في

  1. (١) في الأصل: «على»، تصحيف.
  2. (٢) الفصل من المؤلف، ولا يزال النقل من «الدرء» (٨/ ٤٤٩).
201

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي