أحكام أهل الذمة

عنها. فإن كان الأوَّل ثبت أنَّ ذلك من لوازمها، وأنَّها مفطورةٌ عليه١ لا يُفقَد إلا إذا أفسدت الفطرة. وإن قيل: إنَّه متوقِّفٌ على شخص، فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفيةً كما يجعلها مجوسيةً، وحينئذٍ فلا فرقَ بين هذا وهذا. وإذا قيل: هي إلى الحنيفية أميَل كان كما يقال: هي إلى النصرانية أميل.

فتبيَّن أنَّ فيها قوةً مُوجِبةً للحبِّ لله والذلِّ له وإخلاص الدين له، وأنَّها موجِبةٌ لمقتضاها إذا سَلِمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شُرب اللَّبن الذي فُطِرت على محبَّته وطلبه.

فصل٢

وممَّا يبيِّن هذا أنَّ كلَّ حركةٍ إراديةٍ فإنَّ المُوجِب لها قوةٌ في المريد، فإذا أمكن الإنسانَ أن يحبَّ اللهَ ويعبدَه ويُخلِصَ له الدين كان فيه قوةٌ تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحيِّ المريد الفاعل. ولا يشترط في إرادته إلا مجرَّد الشعور بالمراد، فما في النفوس من قوة المحبَّة لله إذا شعرت به يقتضي حبَّه إذا لم يحصل معارضٌ. وهذا موجودٌ في محبَّة الأطعمة والأشربة والنكاح، ومحبة العلم، وغير ذلك.

وإذا كان كذلك، وقد ثبت في النفس قوة المحبَّة لله والذلِّ له وإخلاص الدين له، وأنَّ فيها قوةَ الشعور به= لَزِم قطعًا وجود المحبَّة فيها والذلِّ في

  1. (١) في الأصل: «على»، تصحيف.
  2. (٢) الفصل من المؤلف، ولا يزال النقل من «الدرء» (٨/ ٤٤٩).
201

الفعل١، لوجود المقتضي الموجِب إذا سَلِم عن المعارض. وعُلِم أنَّ المعرفة والمحبة لا يُشترط فيهما وجودُ شخصٍ منفصل وإن كان وجودُه قد يذكِّر ويحرِّك، كما إذا خُوطِب الجائع بوصف الطعام، والمغتلم بوصف النساء، فإنَّ هذا مما يذكر ويحرك، لكن لا يشترط ذلك لوجود الشهوة. فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقَّف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذلِّ له ومحبته، وإن كان ذلك مذكرًا ومحركًا ومزيلًا للمعارض المانع.

وأيضًا: فالإقرار بالصانع بدون عبادته والمحبة له وإخلاصِ الدين له لا يكون نافعًا، بل الإقرار مع البغض أعظم استحقاقًا للعذاب. فلا بد أن يكون في الفطرة مقتضٍ للعلم ومقتضٍ للمحبة، والمحبةُ مشروطةٌ بالعلم، فإنَّ ما لا يَشعُر به الإنسان لا يحبُّه، ومحبَّة الأشياء المحبوبة لا تكون بسبب من خارج، بل هي أمرٌ جبليٌّ فطريٌّ. وإذا كانت المحبَّة فطريَّةً فالشعور فطريٌّ. ولو لم تكن المحبَّة فطريَّةً لكانت النفس قابلةً لها ولضِدِّها على السواء، وهذا ممتنع.

فعُلِم أن الحنيفية من موجَبات الفطرة ومقتضَياتها. والحب لله والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال٢ الحنيفية، وذلك مستلزمٌ للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم؛ فعُلِم أنَّ الفطرة ملزومةٌ لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمةٌ لها، وهو المطلوب.

  1. (١) في «الدرء»: «بالفعل»، وكذا في «الشفاء» (٢/ ٤٤٧)، وهو أولى.
  2. (٢) في الأصل: «الأعمال»، والمثبت من «الدرء» و«شفاء العليل» (٢/ ٤٥١).
202

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي