والصحيح من هذه الأقوال: ما دل عليه القرآن والسنَّة أنَّهم وُلِدوا حُنَفاء على فطرة الإسلام، بحيث لو تُركوا وفِطَرَهم لكانوا حُنفاء مسلمين، كما وُلِدوا أصِحَّاء كاملي الخِلقة، فلو تُركوا وخَلقهم لم يكن فيهم مجدوع ولا مشقوق الأذن. ولهذا لم يذكر النبي ﷺ لذلك شرطًا مقتضيًا غير الفطرة، وجعل خلاف مقتضاها من فعل الأبوين.
وقال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿: «إني خلقتُ عبادي حنفاء، وإنَّهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم»١، فأخبر أنَّ تغيير الحنيفية التي خُلِقوا عليها بأمرٍ طارئ من جهة الشيطان. ولو كان الكفار منهم مفطورين على الكفر لقال: خلقتُ عبادي مشركين، فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ذلك! كيف وقد قال: «خلقتُ عبادي حنفاء كلَّهم»؟! فهذا القول أصح الأقوال، والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) سبق تخريجه.
ذكر أحكام أطفالهم في الآخرة
واختلاف الناس في ذلك، وحجَّة كلِّ طائفةٍ على ما ذهبت إليه
وبيان الراجح من أقوالهم١
فذهبت طائفةٌ من أهل العلم إلى التوقُّف في جميع الأطفال، سواءٌ كان آباؤهم مسلمين أو كفارًا، وجعلوهم بجملتهم في المشيئة.
وخالفهم في ذلك آخرون، فحكموا لهم بالجنة، وحكوا الإجماع على ذلك. قال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحدٌ أنَّهم في الجنة٢.
واحتجَّ أرباب التوقف بما ثبت عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن مسعودٍ وأنس بن مالك وغيرهما: «إنَّ الله وكَّل بالرحم مَلَكًا، فإذا أراد الله أن يقضيَ خَلْقه قال الملَك: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك، وهو في بطن أمِّه»٣.
وكذلك قوله في حديث ابن مسعودٍ: «ثم يُرسَل إليه الملك، فيُؤمَر بأربع كلماتٍ: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أم سعيد». متفقٌ على صحته.
(١) وقد فصَّل المؤلف القول في هذه المسألة أيضًا في «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٤١ - ٨٧٧)، كما ذكرها باختصار في «تهذيب السنن» (٣/ ٢٠٦ - ٢٢٢).
(٢) إنما قال ذلك في أطفال المسلمين، وسيأتي نصُّ الرواية عنه.
(٣) هذا لفظ حديث أنس، أخرجه البخاري (٣١٨) ومسلم (٢٦٤٦). وأما حديث ابن مسعود المتفق عليه فقد سبق مرارًا. وفي الباب حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ عند مسلم (٢٦٤٥).