السقط إذا لم تُنفَخ فيه الروح، فقال: الحديث: «يجيء السقطُ مُحْبَنطِئًا»١. قال الخلال: سألت ثَعلبًا عن «السقط محبنطئًا»، فقال: غضبان٢، ويقال: قد ألقى نفسه.
وقد أُجِيب عنه بعد التزامِ صحَّتِه٣ بأنَّ هذا القول كان من النبي ﷺ قبل أن يعلِّمه الله بأنَّ أطفال المؤمنين في الجنَّة. وهذا جواب ابن حزم٤ وغيره.
وأجابت طائفةٌ أخرى عنه بأنَّ النبي ﷺ إنَّما ردَّ على عائشة ﵂ لكونها حكمَتْ على غيبٍ لم تعلمه، كما فعل بأمِّ العلاء إذ قالت حين مات عثمان بن مظعون٥: شهادتي عليك أنَّ الله أكرمك، فأنكر عليها وقال لها:
(١) تمامه: «فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: يا رب وأبواي؟ فيقال له: ادخل الجنة أنت وأبواك». أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٧٤٦) من حديث سهل بن حنيف، وفي «الكبير» (١٩/ ٤١٦) من حديث معاوية بن حيدة، وأخرجه أبو يعلى (المطالب: ١٦٣٠، ١٦٣١) من حديث أبي موسى وابن مسعود، وابنُ ماجه (١٦٠٨) وأبو يعلى (٤٦٨) من حديث علي، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٧١٩١) عن رجل من حلب أتى رسولَ الله ﷺ؛ وأسانيد جميعها واهية. وأصحُّ شيء في الباب مرسل ابن سيرين عند عبد الرزاق (١٠٣٤٣) بإسناد صحيح إليه. انظر: «الضعيفة» (١٤١٣، ٣٢٦٧، ٥٨٩٣).
(٢) يؤيده أن لفظه في حديث عليٍّ: «إن السِّقط ليُراغِمُ ربَّه أنْ أَدخَلَ أبويه النار»، والمراغمة هي المغاضبة.
(٣) أي: حديث عائشة «عصفور من عصافير الجنة» وردِّ النبي ﷺ عليها.
(٤) في «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ٦٤).
(٥) رُسم في الأصل هنا وفي الموضع الآتي بالضاد: «مضعون».
«وما يدريكِ أن الله أكرمه؟»، ثم قال: «أما هو فقد جاءه اليقين، وأنا أرجو له الخير، واللهِ ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به»١، فأنكر عليها جزمَها وشهادتها على غيبٍ لا تعلمه، وأخبر عن نفسه ﷺ أنه يرجو له الخير.
ومن هذا قوله ﷺ: «إن كان أحدكم مادحًا أخاه فليقل: أحسب فلانًا ــ إن كان يرى أنه كذلك ــ ولا أزكي على الله أحدًا»٢.
وقد يقال: إنَّ من ذلك قولَه في حديثٍ لسعد بن أبي وقاصٍ ﵁ حين قال له: أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمنٌ، فقال: «أَوْ مسلم»٣، فأنكر عليه الشهادة له بالإيمان لأنَّه غيبٌ، دون الإسلام، فإنَّه ظاهرٌ.
وإذا كان الأمر هكذا، فيُحمَل قوله لعائشة ﵂: «وما يدريك يا عائشة؟» على هذا المعنى، كأنَّه يقول لها: إذا خلق الله للجنة أهلًا وخلق للنار أهلًا، فما يدريكِ أنَّ ذلك الصبي من هؤلاء أو من هؤلاء؟
وقد يقال: إنَّ أطفال المؤمنين٤ إنَّما حُكِم لهم بالجنة تبعًا لآبائهم لا بطريق الاستقلال، فإذا لم يُقطع للمتبوع بالجنة كيف يقطع لتَبَعه بها؟
(١) أخرجه البخاري (١٢٤٣) من حديث أم العلاء ﵂.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٦٢، ٦١٦٢) ومسلم (٣٠٠٠) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (٢٩٤١ - دار الكتب العلمية) عن معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁، ومن طريق عبد الرزاق كلٌّ من أحمد (١٥٢٢) وأبو داود (٤٦٨٣) وابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٥٦٠) والنسائي (٤٩٩٢) وابن حبان (١٦٣).