أحكام أهل الذمة

«وما يدريكِ أن الله أكرمه؟»، ثم قال: «أما هو فقد جاءه اليقين، وأنا أرجو له الخير، واللهِ ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به»١، فأنكر عليها جزمَها وشهادتها على غيبٍ لا تعلمه، وأخبر عن نفسه ﷺ أنه يرجو له الخير.

ومن هذا قوله ﷺ: «إن كان أحدكم مادحًا أخاه فليقل: أحسب فلانًا ــ إن كان يرى أنه كذلك ــ ولا أزكي على الله أحدًا»٢.

وقد يقال: إنَّ من ذلك قولَه في حديثٍ لسعد بن أبي وقاصٍ ﵁ حين قال له: أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمنٌ، فقال: «أَوْ مسلم»٣، فأنكر عليه الشهادة له بالإيمان لأنَّه غيبٌ، دون الإسلام، فإنَّه ظاهرٌ.

وإذا كان الأمر هكذا، فيُحمَل قوله لعائشة ﵂: «وما يدريك يا عائشة؟» على هذا المعنى، كأنَّه يقول لها: إذا خلق الله للجنة أهلًا وخلق للنار أهلًا، فما يدريكِ أنَّ ذلك الصبي من هؤلاء أو من هؤلاء؟

وقد يقال: إنَّ أطفال المؤمنين٤ إنَّما حُكِم لهم بالجنة تبعًا لآبائهم لا بطريق الاستقلال، فإذا لم يُقطع للمتبوع بالجنة كيف يقطع لتَبَعه بها؟

  1. (١) أخرجه البخاري (١٢٤٣) من حديث أم العلاء ﵂.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٦٦٢، ٦١٦٢) ومسلم (٣٠٠٠) من حديث أبي بكرة ﵁.
  3. (٣) أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (٢٩٤١ - دار الكتب العلمية) عن معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁، ومن طريق عبد الرزاق كلٌّ من أحمد (١٥٢٢) وأبو داود (٤٦٨٣) وابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٥٦٠) والنسائي (٤٩٩٢) وابن حبان (١٦٣).
  4. (٤) في هامش الأصل: «المسلمين».
211

يوضِّحه: أنَّ الطفل غير مستقلٍّ بنفسه بل تابعٌ لأبويه، فإذا لم يُقطع لأبويه بالجنة لم يجُزْ أن يقطع له بالجنة. وهذا في حق المُعيَّن، فإنَّا نقطع للمؤمنين بالجنة عمومًا، ولا نقطع للواحد منهم بكونه في الجنة إلا بنصٍّ. فهكذا أطفال المؤمنين نقطع بأنهم في الجنة، ولا نقطع للمعيَّن منهم بأنه في الجنة١. فلهذا ــ والله أعلم ــ أَنكر على أمِّ العلاء حكمَها على عثمان بن مظعون بذلك.

واحتجوا أيضًا٢ بقوله ﷺ: «كلُّ مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جَمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تَجدَعونها؟»، قالوا: يا رسول الله، أرأيت من يموت وهو صغيرٌ؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»٣. فلم يخُصُّوا بالسؤال طفلًا من طفل، ولم يَخُصَّ بالجواب، بل أطلق الجواب كما أطلقوا السؤال، ولو افترق الحال في الأطفال لفصَّل وفرَّق بينهم في الجواب.

وهؤلاء لو تأملوا ألفاظه وطُرَقه لأمسكوا عن هذا الاحتجاج، فإنَّ هذا الحديث روي من طرقٍ متعددةٍ:

فمنها حديث أبِي بِشْر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﵄: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين ــ أو أطفال المشركين ــ فقال: «الله

  1. (١) من قوله: «إلا بنص ..» إلى هنا سقط من المطبوع.
  2. (٢) أي: القائلون بالتوقف في جميع الأطفال.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦٥٩٩) ومسلم (٢٦٥٨/ ٢٤) من حديث معمر، عن همَّام بن منبِّه، عن أبي هريرة ﵁.
212

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي