أحكام أهل الذمة

وهذه كلها صحاحٌ تُبيِّن أنَّ السؤال إنَّما وقع عن أولاد المشركين، وقد جاء مطلقًا في الحديث الآخر: «أرأيت مَن يموت وهو صغيرٌ؟»١. على أنَّه لو كان السؤال عن حكم الأطفال مطلقًا لكان هذا الجواب غير ذلك على استواء أطفال المسلمين والمشركين، بل أجاب عنهم جملةً من جملة بقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فإذا كان سبحانه يعلم أنَّ أطفال المسلمين لو عاشوا عملوا بطاعته، وأطفال المشركين ــ أو بعضهم ــ لو عاشوا لكانوا كفارًا= كان الجواب مطابِقًا لهذا المعنى.

فصل

في أدلة من ذهب إلى أن أطفال المسلمين في الجنة

فمنها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ: «ما مِن المسلمين مَن يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يبلُغوا الحِنْثَ إلَّا أدخلهم الله الجنةَ بفضل رحمته. يُجاءُ بهم٢ يوم القيامة فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: لا حتى يدخل آباؤنا، فيقال: لهم ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي»٣.

  1. (١) تقدم قريبًا.
  2. (٢) في المطبوع: «بحالهم»، تصحيف.
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٠٦٢٢) والنسائي (١٨٧٦) وأبو يعلى (٦٠٧٩) وابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١٣٣) ــ واللفظ له ــ من حديث عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح على رسم البخاري.
214

وفي لفظ١: «مَن مات له ثلاثةٌ من الولد لم يبلُغوا الحِنْثَ٢ إلا٣ كانوا له حِجابًا من النار».

ومنها حديثه أيضًا، وقد قيل له: حدِّثْنا عن رسول الله ﷺ بحديث يُطيِّب أنفُسَنا عن موتانا، فقال: سمعتُه يقول: «صِغارُهم دَعَامِيص الجنة، يتلقَّى أحدُهم أباه فيأخذ بثوبه ــ كما آخذ أنا بصَنِفة ثوبِك هذا ــ، فلا ينتهي حتى يُدخِله الله وأبوَيه الجنةَ»٤.

ومنها حديث معاوية بن قُرَّة عن أبيه أنَّ رجلًا جاء بابنه إلى النبي ﷺ فقال: «أتحبه؟»، فقال: أحبَّكَ اللهُ يا رسولَ الله كما أُحِبُّه، فتُوفِّي الصبيُّ ففقَدَه النبي ﷺ فقال: «أين فلان بن فلان؟»، قالوا: يا رسول الله، تُوفِّي ابنُه. ثم دخل الرجل، فقال له رسول الله ﷺ: «أَمَا ترضى أن لا تأتيَ بابًا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى يفتحه لك؟»، فقالوا: يا رسول الله، أله وحدَه أم لنا كلِّنا؟ فقال: «بل لكم كلِّكم»٥.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٢٥٠) عن أبي هريرة بلفظ: «أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا حجابا من النار». أما اللفظ المذكور فعلَّقه البخاري في الجنائز (باب ما قيل في أولاد المسلمين) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مجزومًا به. وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٤٩٨).
  2. (٢) في هامش الأصل: «الحلم».
  3. (٣) الظاهر أن «إلا» مقحمة، فلا هي في مصادر التخريج، ولا سبق في الحديث نفي.
  4. (٤) أخرجه مسلم (٢٦٣٥). والصَّنِفة: الطرف.
  5. (٥) أخرجه أحمد (١٥٥٩٥، ٢٠٣٦٥) والنسائي (١٨٧٠) وابن حبان (٢٩٤٧) والحاكم (١/ ٣٨٤) وابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١١٣) ــ واللفظ له ــ وغيرهم، من طرق عن شعبة عن معاوية بن قرَّة به. قال الحافظ في «الفتح» (١١/ ٢٤٣): إسناده على شرط الصحيح.
215

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي