سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه١، وغيرهم. وهو يُشبِه ما رسمه مالك في أبواب القدر وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه. وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلَّا أنَّ المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال المشركين خاصةً في المشيئة، لآثار رُوِيت في ذلك.
هذا ما ذكره في باب أبي الزناد في «التمهيد»٢.
وقال٣ في باب ابن شهابٍ عن سعيد بن المسيب: «لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد ...»٤ الحديث: قد أجمع العلماء على أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافًا إلا فِرقةً شذَّت من المُجبِرة فجعلَتْهم في المشيئة. وهو قول شاذٌّ مهجورٌ مردودٌ بإجماع أهل
(١) كذا نسبه إليه ابن عبد البر: أنه يرى التوقف في جميع الأطفال. والذي حكاه حرب الكرماني عنه أن توقَّف في أطفال المشركين فقال: «سألتُ إسحاق عن أطفال المشركين فقال: خلِّ أمرَهم إلى الله، الله أعلم بما كانوا عاملين. قال: وأطفال المسلمين هم في الجنة». «مسائل حرب» (٢/ ٩٥٧) بتحقيق فايز بن أحمد بن حامد حابس (رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى، ١٤٢٢ هـ).
(٢) في شرح حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا: «كل مولود يولد على الفطرة ...». (١٨/ ٥٧ - ١٤١).
(٣) في «التمهيد» (٦/ ٣٤٨، ٣٤٩).
(٤) تمامه: «فتمسه النار، إلا تحلة القسم». أخرجه مالك (٦٣١) والبخاري (١٢٥١، ٦٦٥٦) ومسلم (٢٦٣٢) من حديث الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا.
الحُجَّة الذين لا يجوز مخالفتُهم، ولا يجوز على مثلهم الغلَطُ في مثل هذا، إلى ما روي عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد الثقات١.
فتأمَّل كيف ذكر الإجماعَ على أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، وأنَّه لا يعلم في ذلك نزاعًا، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولًا شاذًّا مهجورًا، ونسبه في الباب الآخر إلى الحمَّادَين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأكثر أصحاب مالك. وهذا من السهو الذي هو عرضةُ الإنسان، وربُّ العالمين هو الذي لا يَضِلُّ ولا يَنسى.
فصل
وأمَّا أولاد المشركين، فاختلف أهل العلم فيهم على عشرة مذاهب٢، ونحن نذكرها٣ ونذكر أدِلَّتها، ونبيِّن راجحَها من مرجوحها بحول الله وقدرته وتوفيقه.
المذهب الأول: الوقف في أمرهم. ولا نحكم لهم بجنة ولا نار، ونَكِل علمهم إلى الله. وهذا قد يُعبَّر عنه بمذهب الوقف، وقد يُعبَّر عنه بمذهب المشيئة، وأنَّهم تحت مشيئة الله يحكم فيهم بما يشاء، ولا يُدرى حكمُه فيهم ما هو. واحتجَّ أرباب هذا القول بحُجَج منها:
ما خرَّجا في «الصحيحين»٤ من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول
(١) في المطبوع: «والثقات»، خلاف الأصل ومصدر النقل.
(٢) في «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٤٢) و«تهذيب السنن» (٣/ ٢١٥ - ٢٢٠) ثمانية مذاهب.
(٣) «نذكرها و» ساقط من المطبوع.
(٤) البخاري (٦٥٩٩) ومسلم (٢٦٥٨/ ٢٣، ٢٤)، إلا أن هذا لفظ «الموطأ» (٦٤٦).