يتكلَّموا في الولدان والقدر». قال أبو حاتم: الولدان أراد بهم أطفال المشركين.
وفي استدلال هذه الفرقة على ما ذهبت إليه من الوقف بهذه النصوص نظرٌ، فإنَّ النبي ﷺ لم يُجِب فيهم بالوقف، وإنَّما وكَّل عِلمَ ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله، والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا. فهو سبحانه يعلم القابل منهم للهدى العاملَ به لو عاش، والقابلَ منهم للكفر المؤثرَ له لو عاش. ولكن لا يدلُّ هذا على أنَّه سبحانه يَجزِيهم بمجرَّد علمِه فيهم بلا عمل يعملونه. وإنَّما يدلُّ هذا على أنَّه يعلم مَن يؤمن ومَن يكفر بتقدير الحياة. وأمَّا المُجازاة على العلم فلم يتضمَّنها جوابُه ﷺ.
وفي «صحيح أبي عوانة الإسفراييني»١
عن هِلال بن خَبَّاب، عن
(١) لم أجده فيه، وإليه عزاه في «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٤٤) أيضًا. وأخشى أن يكون وهمًا من المؤلف، إذ الحديث من رواية أبي عوانة ــ وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري (ت ١٧٦) ــ عن هلال بن خباب به. فلعله كان في بعض المصادر: «روى أبو عوانة عن هلال ...»، فظنَّ المؤلف أنه أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت ٣١٦). والله أعلم. هذا، والحديث أخرجه الفريابي في «القدر» (١٧٧) والبزار (٢١٧٣ - كشف الأستار) والطبراني في «الأوسط» (١٩٩٧) و«الكبير» (١١/ ٣٣٠) والضياء في «المختارة» (١٢/ ٢٩٧)، من طريقين عن أبي عوانة عن هلال به. ورجاله ثقات، إلا أن هلالًا يهم وقد تغيَّر بأَخَرة. والحديث صحيح بشواهده.
عِكرمة، عن ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ في بعض مَغازيه، فسأله رجلٌ: ما تقول في اللَّاهين؟ فسكت عنه، فلمَّا فرغ من غزوة الطائف١ إذا هو بصبيٍّ يبحث في الأرض، فأمر مُناديه فنادى: «أين السائل عن اللاهين؟»، فأقبل الرجل، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل الأطفال وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
فقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» عقيبَ نهيه عن قتلهم يكشف لك المعنى ويوضِّحه، ويبيِّن أن الله سبحانه يعلم لو أدركوا ما كانوا يعملون، وأنتم لا تعلمون ذلك، فلعلَّ أحدهم إذا أدرك يعمل بطاعة الله ويكون مسلمًا، فهذا أحد الوجهين في جوابه ﷺ.
والوجه الثاني: أنَّه خرج جوابًا لهم حين أخبرهم أنَّهم من آبائهم، فقالوا: بلا عمل؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، كما في «السنن»٢ من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال: «من آبائهم»، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ قال: «من آبائهم»، قلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
ففي هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّ الذين يُلحَقون بآبائهم منهم هم الذين
(١) كذا في الأصل، ومثله في «طريق الهجرتين» بخط المؤلف، وهو تصحيف عن «فلمَّا فرغ من غزوِه طافَ» أو «وطاف»، كما في مصادر التخريج.
(٢) «سنن أبي داود» (٤٧١٢) بإسناد جيِّد. وقد سبق (ص ٢١٣) تخريجه مطولًا.