أحكام أهل الذمة

علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوا به، فهؤلاء مع آبائهم. ولا يقتضي١ أن كلَّ واحدٍ من الذرية مع أبيه في النار، فإنَّ الكلام في هذا الجنس سؤالا وجوابًا إنَّما يدلُّ على التفصيل، فإنَّ قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يدلُّ على أنَّهم متبايِنون في التبعيَّة بحسب تبايُنهم في معلوم الله تعالى فيهم.

يبقى أن يقال: فالحديث يدلُّ على أنَّهم يُلحَقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا فَهِمت منه عائشة ﵂ ذلك، فقالت: بلا عمل؟ فأقرَّها عليه وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».

ويُجَاب عن هذا بأنَّ الحديث إنَّما دلَّ على أنَّهم يُلحَقون بهم بلا عمل في أحكام الدنيا، وهو الذي فهمَتْه عائشة ﵂، ولكن لا ينفي هذا أن يُلحَقوا بهم في الآخرة بأسبابٍ أُخَر كامتحانهم في عَرَصات القيامة، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، فحينئذ يُلحَقون بآبائهم، ويكونون معهم بلا عمل عملوه في الدنيا. وأُمُّ المؤمنين ﵂ إنَّما استشكلت لَحاقَهم بهم بلا عملٍ عملوه مع الآباء، وأجابها النبي ﷺ بأنَّ الله يعلم منهم ما هم عامِلُوه، ولم يقُلْ لها: إنَّه يُعذِّب بمجرَّد علمِه فيهم، وهذا ظاهرٌ بحمد الله.

وأمَّا حديث أبي رَجَاء العُطارِدي عن ابن عباس، ففي رفعه نظر، والناس إنما رووه موقوفًا عليه، وهو الأشبه. وابن حبان كثيرًا مَّا يرفع في كتابه ما يعلم أئمةُ الحديث أنَّه موقوف، كما رفع قول أبيِّ بن كعب: «كلُّ حرف في القرآن في القُنوت فهو الطاعة»٢. وهذا لا يُشبِه كلامَ رسول الله ﷺ، وغايتُه أن

  1. (١) في الأصل: «نقضي»، ولعل المثبت أشبه.
  2. (٢) أخرجه ابن حبان (٣٠٩) ــ وكذا أحمد (١١٧١١) وأبو يعلى (١٣٧٩) والطبري (٤/ ٣٧٨، ٥/ ٤٠٠) وابن أبي حاتم (١/ ٢١٣) وغيرهم ــ من حديث من درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا. وهو طريق ضعيف معروف بمناكيره.
    ولم أجد من أخرجه عن أبي بن كعب مرفوعًا ولا موقوفًا. وإنما صحَّ موقوفًا على قتادة، كما عند عبد الرزاق في «التفسير» (٢/ ١١٦).
222

يكون كلامَ أُبَيٍّ.

والحديث ولو صحَّ إنَّما يدلُّ على ذمِّ مَن تكلَّم فيهم بغير علم، أو ضَرَب النصوص بعضَها ببعض، كما يفعله أهل الجدل والمُباحَثة الذين لا تحقيقَ عندهم، ولم يصلوا في العلم إلى غايته، بل هم في أطراف أذياله. وبلاءُ الأمة من هذا الضرب، وهم الغالب على الناس، وبالله التوفيق.

فصل

المذهب الثاني: أنَّهم في النار. وهذا قول جماعة من المتكلمين وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد١. وحكاه القاضي نصًّا عن أحمد، وغلَّطه شيخُنا كما سيأتي بيان ذلك. واحتجَّ هؤلاء بحُجَج:

منها: حديث أبي عَقِيل يحيى بن المتوكِّل، عن بُهَيَّة، عن عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المسلمين: أين هم؟ قال: «في الجنة»، وسألته عن أولاد المشركين: أين هم يوم القيامة؟ قال: «في النار»، فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تجرِ عليهم الأقلام، قال: «ربُّكِ أعلم بما

  1. (١) انظر: «الإنصاف» (٢٧/ ١٧١ - ١٧٢).
223

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي