والحديث ولو صحَّ إنَّما يدلُّ على ذمِّ مَن تكلَّم فيهم بغير علم، أو ضَرَب النصوص بعضَها ببعض، كما يفعله أهل الجدل والمُباحَثة الذين لا تحقيقَ عندهم، ولم يصلوا في العلم إلى غايته، بل هم في أطراف أذياله. وبلاءُ الأمة من هذا الضرب، وهم الغالب على الناس، وبالله التوفيق.
فصل
المذهب الثاني: أنَّهم في النار. وهذا قول جماعة من المتكلمين وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد١. وحكاه القاضي نصًّا عن أحمد، وغلَّطه شيخُنا كما سيأتي بيان ذلك. واحتجَّ هؤلاء بحُجَج:
منها: حديث أبي عَقِيل يحيى بن المتوكِّل، عن بُهَيَّة، عن عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المسلمين: أين هم؟ قال: «في الجنة»، وسألته عن أولاد المشركين: أين هم يوم القيامة؟ قال: «في النار»، فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تجرِ عليهم الأقلام، قال: «ربُّكِ أعلم بما
(١) انظر: «الإنصاف» (٢٧/ ١٧١ - ١٧٢).
كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئتِ أسمعتُكِ تَضَاغِيَهم في النار»١.
ولكن هذا الحديث قد ضعَّفه جماعةٌ من الحفاظ٢. قال أبو عمر٣: أبو عقيل هذا لا يُحتَجُّ بمثله عند أهل النقل. وهذا الحديث لو صحَّ لاحتمل من الخصوص ما احتمل غيره. قال: وممَّا يدلُّ على أنَّه خصوصٌ لقومٍ من المشركين قوله: «لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار»، وهذا لا يكون إلا فيمَن قد مات، وصار في النار.
قال: وقد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار.
قلت: مراد أبي عمر أنَّ هذا خاصٌّ ببعض أطفال المشركين الذين ماتوا ودخلوا النار، ولا يلزم منه أن يكون هذا حكمًا عامًّا لجميع الأطفال. وهذا جواب٤ صحيح يتعيَّن المصير إليه جمعًا بينه وبين حديث سَمُرَة الذي رواه البخاري في «صحيحه»٥، وهو صريحٌ بأنَّهم في الجنَّة كما سيأتي.
(١) أخرجه أحمد (٢٥٧٤٣) مختصرًا، والطيالسي (١٦٨١) ــ ومن طريقه البيهقي في «القضاء والقدر» (٦١٦) ــ وأبو القاسم البغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٩٦٩) وابنُ عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١٢٢) وغيرهم، من طرق عن أبي عقيل به. وأبو عقيل ضعيف كما سيأتي في كلام المؤلف، وبهية مجهولة.
(٢) كابن عدي في «الكامل» في ترجمة بهية (٢/ ٥٣٠) وأبي عقيل (١٠/ ٥٤٧)، وابنُ الجوزي في في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٢٢).
(٣) في «التمهيد» (١٨/ ١٢٢).
(٤) «جواب» ساقط من المطبوع.
(٥) برقم (٧٠٤٧) في رؤيا النبي ﷺ التي رآى فيها إبراهيم ﷺ في روضة مُعْتَمَّة وحوله الولدان الذين ماتوا على الفطرة، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال ﷺ: «وأولاد المشركين».