أحكام أهل الذمة

كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئتِ أسمعتُكِ تَضَاغِيَهم في النار»١.

ولكن هذا الحديث قد ضعَّفه جماعةٌ من الحفاظ٢. قال أبو عمر٣: أبو عقيل هذا لا يُحتَجُّ بمثله عند أهل النقل. وهذا الحديث لو صحَّ لاحتمل من الخصوص ما احتمل غيره. قال: وممَّا يدلُّ على أنَّه خصوصٌ لقومٍ من المشركين قوله: «لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار»، وهذا لا يكون إلا فيمَن قد مات، وصار في النار.

قال: وقد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار.

قلت: مراد أبي عمر أنَّ هذا خاصٌّ ببعض أطفال المشركين الذين ماتوا ودخلوا النار، ولا يلزم منه أن يكون هذا حكمًا عامًّا لجميع الأطفال. وهذا جواب٤ صحيح يتعيَّن المصير إليه جمعًا بينه وبين حديث سَمُرَة الذي رواه البخاري في «صحيحه»٥، وهو صريحٌ بأنَّهم في الجنَّة كما سيأتي.

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٥٧٤٣) مختصرًا، والطيالسي (١٦٨١) ــ ومن طريقه البيهقي في «القضاء والقدر» (٦١٦) ــ وأبو القاسم البغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٩٦٩) وابنُ عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١٢٢) وغيرهم، من طرق عن أبي عقيل به. وأبو عقيل ضعيف كما سيأتي في كلام المؤلف، وبهية مجهولة.
  2. (٢) كابن عدي في «الكامل» في ترجمة بهية (٢/ ٥٣٠) وأبي عقيل (١٠/ ٥٤٧)، وابنُ الجوزي في في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٢٢).
  3. (٣) في «التمهيد» (١٨/ ١٢٢).
  4. (٤) «جواب» ساقط من المطبوع.
  5. (٥) برقم (٧٠٤٧) في رؤيا النبي ﷺ التي رآى فيها إبراهيم ﷺ في روضة مُعْتَمَّة وحوله الولدان الذين ماتوا على الفطرة، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال ﷺ: «وأولاد المشركين».
224

واحتجُّوا بحديث عمر بن ذَرٍّ، عن يزيد بن أبي أُميَّة: أنَّ البَرَاء بن عَازِب١ ﵁ أرسل إلى عائشة ﵂ يسألها عن الأطفال، فقالت: سألت رسول الله ﷺ قلتُ: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ قال: «مِن آبائهم»، قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ قال: «هم من آبائهم»، قلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». هكذا قال مسلم بن قتيبة٢.

وقد رواه غيره عن عمر بن ذر، عن يزيد، عن رجل، عن البراء٣.

ورواه أحمد٤ من حديث عُتبَة بن ضَمْرة بن حَبِيب، حدثني عبد الله بن قَيس مولى غُطَيفٍ أنه سأل عائشة ﵂. وعبد الله هذا ينظر في حاله، وليس بالمشهور٥.

  1. (١) كذا في الأصل، وفي «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٤٧) و«تهذيب السنن» (٣/ ٢٠٧). ولم أجد مَن رواه على هذا الوجه، وأخشى أن يكون خطأ، فقد رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣١٩) من طريق أبي نُعيم، وابنُ الجوزي في «العلل المتناهية» (١٥٤٢) من طريق مسلم بن قتيبة، كلاهما عن عمر بن ذرٍّ عن يزيد بن أميَّة أن عازبًا أرسل إلى عائشة ... إلخ. وعازب هذا ليس والد البراء، بل والدُ غُطيفٍ مولى عبد الله بن أبي قيس مِن فوق. انظر: «الإصابة» (٧/ ٢٠١).
  2. (٢) أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» من هذا الطريق، كما في التعليق السابق.
  3. (٣) أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٢٠) من طريق عبد الله بن داود الخُرَيبي، عن عمر بن ذر على هذا الوجه. قال البخاري: «والأول أصح»، يعني رواية من رواه عن عمر بن ذر عن يزيد بن أمية أن عازبًا أرسله إلى عائشة.
  4. (٤) رقم (٢٤٥٤٥) بإسناد حسن، وله طرق أخرى كما سبق (ص ٢١٣) مفصَّلًا.
  5. (٥) هو عبد الله بن أبي قيس ــ ويقال: عبد الله بن قيس، والأول أصح ــ الشامي الحمصي. تابعي مخضرم، وثقه العجلي والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. من رجال مسلم، أخرج له عن عائشة. انظر: «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٦٥).
225

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي