وبالجملة، فلا حُجَّةَ في الحديث على أنَّهم في النار، لأنَّه إنَّما أخبر بأنَّهم مِن آبائهم في أحكام الدنيا، كما تقدم.
واحتجُّوا بما رواه عبد الله بن أحمد في «مسند أبيه»١: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال: سألتْ خَدِيجةُ ﵂ رسولَ الله ﷺ عن ولدَين لها ماتا في الجاهلية، فقال: «هما في النار»، فلمَّا رأى الكراهية في وجهها قال: «لو رأيتِ مكانَهما لأبغضتِهما»، قالت: يا رسول الله، فولدي منك! قال: «إنَّ المؤمنين وأولادَهم في الجنة، وإنَّ المشركين وأولادَهم في النار» ثمَّ قرأ: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾[الطور: ١٩].
وهذا الحديث معلولٌ من وجهين، أحدهما: أنَّ محمد بن عثمان هذا مجهولٌ، والثانية: أنَّ زاذان لم يُدرِك عليًّا.
وقال الخلال٢: أخبرنا حفص بن عَمرو الرَّبالي٣، ثنا أبو زِياد
(١) برقم (١١٣١)، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في «السنة» (٢٢٠) عن عثمان بن أبي شيبة به. والحديث ضعيف كما قرره المؤلف. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٦٤٢) عن محمد بن عثمان: لا يُدرى من هو، وله خبر منكر ... (فذكره).
(٢) في «الجامع» (١/ ٨٠). وإسناده معلول من وجهين: سهل بن زياد متكلَّم فيه، كما في «لسان الميزان» (٤/ ١٩٨). والثاني: فيه انقطاع، فإن عبد الله بن الحارث لم يُدرك خديجة.
(٣) غيَّره في المطبوع إلى: «حفص بن عمر الرازي»، وهو خطأ، لم يُدركه الخلال.
سَهْل بن زِياد، ثنا الأَزْرق بن قيس، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن خديجة بنت خُوَيلد ﵂ أنَّها سألَتِ النبيَّ ﷺ قالت: يا رسول الله، أين أطفالي من أزواجي من المشركين؟ قال: «في النار»، قالت: بغير عمل؟ قال: «قد علم الله ما كانوا عاملين».
قال شيخنا١: وهذا حديث موضوعٌ، لا يصِحُّ عن رسول الله ﷺ. وهو الذي غرَّ القاضيَ أبا يعلى حتى حكى عن أحمد أنَّهم في النار، لأنَّ أحمد نصَّ في رواية بكر بن محمد٢ عن أبيه أنَّه سأله عن أولاد المشركين، فقال: أذهب إلى قول النبي ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فتوهَّم القاضي أنَّ أحمد أراد هذا الحديث، وأحمد أعلم بالسنة من أن يحتجَّ بمثل هذا الحديث، وإنَّما أراد أحمد حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة ﵃.
واحتجُّوا أيضًا بحديث داود بن أبي هِند، عن الشَّعبي، عن عَلقَمة بن قَيس، عن سَلَمة بن يزيد الأشجعي٣ قال: أتيتُ أنا وأخي رسولَ الله ﷺ فقلنا: إنَّ أُمَّنا ماتَت في الجاهلية، وكانت تَقرِي الضَّيفَ، وتَصِل الرَّحِمَ، فهل ينفعُها مِن عملها ذلك شيء؟ قال: «لا»، قلنا له: فإنَّ أُمَّنا وَأَدَتْ أختًا لنا في الجاهلية لم تبلُغ الحِنْثَ، فقال: «المَوءُودة والوائدة في النار، إلَّا أن تُدرِك
(١) في «درء التعارض» (٨/ ٣٩٨). وبنحوه في «منهاج السنة» (٢/ ٣٠٦).
(٢) أسندها الخلال في «الجامع» (١/ ٧٨).
(٣) كذا في الأصل، وإنما هو الجعفي كما في الإسناد الآتي. ولعل «الأشجعي» تصحيف عن «المَشجعي» نسبةً إلى جدِّه «مشجعة». انظر: «الإصابة» (٤/ ٤٢٩).