رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك مَن أشاء، ولكلِّ واحدة منكما مِلؤها»، قال: «فأمَّا الجنة فإنَّ الله لا يظلم مِن خلقه أحدًا، وإنَّه ينشئ للنار من يشاء، فيُلقَون فيها فتقول: هل من مزيدٍ؟ ويُلقَون فيها وتقول: هل من مزيدٍ؟ ــ ثلاثًا ــ حتى يضعَ قدمه فيها فتمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعضٍ، وتقول: قَطْ قَطْ».
فهذا غير محفوظٍ، وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعًا، كما انقلب على بعضهم: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكُلُوا واشرَبُوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم»١ فقال: «ابنُ أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال»٢، وله نظائر من الأحاديث المقلوبة في٣ المتن.
وحديث الأعرج عن أبي هريرة هذا لم يُحفَظ كما ينبغي٤، وسياقه يدلُّ على أنَّ راويَه لم يُقِم متنَه، بخلاف حديث همَّام عن أبي هريرة.
(١) أخرجه البخاري (٦١٧، ٦٢٢) ومسلم (١٠٩٢) من حديثَي ابن عمر وعائشة. ويشهد له حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري (٦٢١) ومسلم (١٠٩٣).
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٤٠٦) ــ وعنه ابن حبان (٣٤٧٣) ــ من حديث عبد العزيز الدَّراوَرْدي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، والدراوردي فيه لين. وقد فصل القول فيه الحافظ ابن رجب في «فتح الباري» (٣/ ٥١٩ - ٥٢١؛ دار ابن الجوزي).
(٣) في الأصل: «من»، ولعل المثبت أشبه.
(٤) والظاهر أن الوهم ممن هو دون الأعرج، فإن مسلمًا أخرجه (٢٨٤٦) من طريقين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة دون قوله: «وإنه ينشئ للنار من يشاء».
واحتجُّوا بما في «الصحيح»١ من حديث الصَّعْب بن جَثَّامَة أنَّه سأل النبي ﷺ عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيُصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال رسول الله ﷺ: «هم منهم». وفي لفظ٢: «هم من آبائهم»، قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان.
ولا حجةَ لهم في هذا، فإنَّه إنَّما سُئِل عن أحكام الدنيا وبذلك أجاب، والمعنى: أنَّهم إن أُصِيبوا في التَّبْيِيت والغَارة فلا قوَدَ ولا دِيَةَ على مَن أصابهم لكونهم أولادَ مَن لا قوَدَ ولا ديةَ لهم. وعلى ذلك مخرج الحديث سؤالًا وجوابًا.
واحتجَّوا أيضًا بقول الله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾[الطور: ١٩]. وهذا يدلُّ على أنَّ ذرية الكافرين تُلحَق بهم ولا يُلحَقون بالمؤمنين وذريَّاتهم، فإنَّ الله تعالى شرَطَ في الإلحاق إيمان الآباء.
وهذا لا حجةَ فيه، لأنَّ الله تعالى إنَّما أخبر عن إلحاق ذريَّة المؤمنين بآبائهم، ولم يُخبِر عن ذريَّة الكفار بشيء. بل الآية حجةٌ على نقيض ما ادَّعوه من وجهين:
أحدهما: إخباره أنَّه لم ينقص الآباءَ بهذا الإلحاق من أعمالهم شيئًا، فكيف يعذِّب هذه الذرية بلا ذنب؟!
(١) للبخاري» (٣٠١٢) ومسلم (١٧٤٥/ ٢٦).
(٢) عند البخاري (٣٠١٣) ومسلم (١٧٤٥/ ٢٨) وأبي داود (٢٦٧٢)، وقول الزهري عند أبي داود فقط.