أحكام أهل الذمة

قالوا: والقرآن مملوءٌ من الأخبار بأنَّ دخول النار إنَّما يكون بالأعمال، كقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٢]، وقوله: ﴿وَاَتَّقُوا يَوْمًا تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ اُلظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ٧٧ لَقَدْ جِّئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨]، وقوله: ﴿وَقَالَ اَلَّذِينَ فِي اِلنّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اَدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اَلْعَذَابِ ٤٩ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسْلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَاَدْعُوا وَمَا دُعَاءُ اُلْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩ - ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا اَلْكَفُورُ﴾ [سبأ: ١٧]، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، ونظير ذلك في القرآن كثيرٌ.

وأيضًا: فالنار١ دارُ جزاءٍ فلا يَدخُلها مَن لا ذنبَ له، وما ثَمَّ إلا دارُ الثواب أو دارُ العقاب، فإذا لم يدخلوا النار دخلوا الجنة.

قالوا: وإذا كان اللهُ يُنشِئ للجنة خلقًا آخرين يُدخِلهم إيَّاها بلا عمل، فالأطفال الذين وُلِدوا في الدُّنيا أولى بها.

قالوا: وإذا كان كلُّ مولود يُولَد على الفطرة إلى أن يغيِّر أبواه فطرتَه، فإذا مات قبل التغيير مات على الفطرة، فكان من أهل الجنة.

قالوا: وقد أخبر تعالى أنَّه خلق عباده حُنَفاء مسلمين وأنَّ الشياطين اجتالَتْهم عن دينهم، فمَن مات قبل اجتيال الشياطين مات على الحنيفيَّة،

  1. (١) في المطبوع: «فالدار»، تصحيف.
237

فيكون من أهل الجنة. ودليل ذلك ما روى مسلم في «صحيحه»١ من حديث عِياض بن حِمار عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿: «إني خلقت عبادي حنفاء ..» الحديث.

وزاد فيه محمد بن إسحاق، عن ثَور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عِياض بن حِمار عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله خلق آدم وبَنِيه حُنَفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا لا حرامًا»٢.

قالوا: وأيضًا، فالنار دارُ عدله تعالى، لا يدخلها إلا مَن يستحِقُّها. وأمَّا الجنَّة فدارُ فضله فيُدخِلها مَن أراد، بعملٍ وغير عمل. وإذا كانت النار دار عدله فمَن لم يعصِ الله طرفةَ عينٍ كيف يُجازَى بالنار خالدًا مخلَّدًا أبدَ الآباد؟!

قالوا: وأيضًا، فلو عذَّب الأطفال لكان تعذيبهم إمَّا مع تكليفهم بالإيمان، أو بدون التكليف. والقسمان ممتنعان. أمَّا الأول، فلاستحالة تكليفِ مَن لا تمييزَ له، ولا عقلَ أصلًا. وأمَّا الثاني، فممتنعٌ أيضًا بالنصوص التي ذكرناها وأمثالِها مِن أنَّ الله تعالى لا يعذِّب أحدًا إلا بعدَ قيام الحجة عليه.

قالوا: وأيضًا، فتعذيبهم إمَّا أن يكون لعدم وقوع الإيمان منهم، وإمَّا لوجود الكفر منهم، والقسمان باطلان. أمَّا الثاني فظاهرٌ، لأنَّ مَن لا عقلَ له ولا تمييزَ لا يَعرِف الكفر حتى يختاره. وأمَّا الأول، فلو عُذِّبوا لعدم وجود

  1. (١) برقم (٢٨٦٥/ ٦٣)، وقد تقدَّم آنفًا.
  2. (٢) سبق تخريجه، والكلام على زيادة «مسلمين» فيه. انظر: (ص ١١٧ - ١١٩).
238

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي