أحكام أهل الذمة

الإيمان الفعلي منهم لَاشتَركوا هم وأطفال المسلمين في ذلك لِاشتِراكِهم في سببه.

فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تَبَعُهم لآبائهم من العذاب، بخلاف أطفال المشركين فإنَّهم يُعذَّبون تبعًا لآبائهم وإهانةً لهم وغَيظًا.

قيل: هذا خطأٌ، فإنَّ الله لا يعذِّب أحدًا بذنب غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٦]، وقال: ﴿فَاَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية [يس: ٥٣].

قالوا: وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَن همَّ بسيِّئةٍ فلم يَعمَلْها لم تُكتَب عليه حتى يَعمَلَها»١، فإذا لم يعاقب المكلَّف بما يهُمُّ به من السيئات، كيف يعاقب الطفل بما لم يعمله ولم يهُمَّ به ولم يَخطُر بباله؟!

قالوا: ولا خلافَ بين الناس أنَّ الطفل الذي لم يميِّز إذا مات طفلًا وقد عَلِم الله منه أنَّه لو عاش لقتل النفوس وسفَكَ الدِّماء وغصَبَ الأموال، فإنَّ الله لا يعذِّبه على ذلك.

قالوا: وأمَّا قوله ﷺ في أطفال المشركين: «هم من آبائهم»، فإنَّما أراد أنهم منهم في أحكام الدنيا.

وأمَّا قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فإنَّه لم يُرِد به أنَّه يَجزِيهم بعلمه فيهم، وإن لم يقع معلومه٢ في الخارج.

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٥٠١) ومسلم (١٢٨، ١٣٠) من حديث أبي هريرة ﵁ بنحوه.
  2. (٢) في الأصل: «معلوم».
239

قالوا: وأيضًا فإنَّما قال هذا قبل أن يوحى إليه في أمرهم، فلمَّا أوحي إليه أنَّهم في الجنة أخبر به أصحابه.

قلت: وهذا الجواب لا يصِحُّ، فإنَّه أخبر بهذا في حديث الأسود بن سريع وحديث أبي هريرة، وهما ممَّن تأخر إسلامه إلى بعد خيبر. وإنَّما الجواب الصحيح أن يقال: إنَّه ﷺ لم يخبر بأنَّ الله يعذِّبهم على علمه فيهم، وإنَّما أخبر بأنَّه أعلم بما هم عاملون ممَّا يستحقُّون به العقاب، فإذا امتُحِنوا في الآخرة وعملوا بمعصيته ظهر معلومُه فيهم، فعاقبهم بما هم عاملون، لا بمجرَّد علمه.

قالوا: وأمَّا حديث خديجة ﵂ أنَّهم في النار فلا يصِحُّ، وقد تقدَّم كلامُ الناس فيه١.

وأمَّا حديث: «الوائدة والموءودة في النار»٢، فليس في الحديث أنَّ الموءودة لم تكن بالغةً، فلعلَّها وُئدت بعد بلوغها.

فإن قلتم: فلفظ الحديث: «يا رسول الله، إنَّ أُمَّنا وَأَدَتْ أختًا لنا في الجاهلية لم تبلُغ الحِنثَ، فقال رسول الله ﷺ: الوائدة والموءودة في النار»، فقد قال أبو محمد بن حزم٣: هذه اللفظة وهي قوله: «لم تبلغ الحنث»، ليست من كلام رسول الله ﷺ بلا شكٍّ، ولكنَّها من كلام سَلَمة بن يزيد الجُعفِي وأخيه اللَّذَين سألا رسول الله ﷺ. فلمَّا أخبر ﷺ أنَّ الموءودة في

  1. (١) (ص ٢٢٦ - ٢٢٧).
  2. (٢) تقدَّم تخريجه (ص ٢٢٧ - ٢٢٩).
  3. (٣) في «الفصل» (٤/ ٦٢ - ٦٣).
240

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي