أحكام أهل الذمة

ثم روى من طريق أبي داود١ عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الوائدة والموءودة في النار». ثم قال: هذا مختصر، وهو على ما ذكرنا أنَّه ﷺ إنَّما عَنى بذلك التي٢ بلَغَت، لا يجوز غير هذا.

قال٣: وقد يُمكِن أن يَهِمَ فيه الشعبي، فإنَّه مرةً أرسله، ومرةً أسنده. ولا يخلو ضرورةً هذا الخبرُ من أنَّه وهمٌ أو أنَّ أصله مرسلٌ، كما رواه أبو داود٤: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ. أو أنَّه إن صحَّ عنه ﷺ فإنَّما أراد به التي بلغت، لا يجوز غير ذلك.

قلت: وهذا الجواب في غاية الضعف، ولا يجوز أن ينسب إلى رسول الله ﷺ أنَّه سُئِل عن موءودة لم تبلغ الحنث، فأجاب٥ عمَّن بلغت الحنث، بل إنَّما خرج جوابُه ﷺ لنفس ما سئل عنه. فكيف ينسب إليه أنَّه ترك الجواب عمَّا سُئِل عنه، وأجاب عمَّا لم يُسأَل عنه مُوهِمًا أنَّه المسؤول عنه، ولم يُبيِّنه للسائل؟! هذا لا يُظَنُّ برسول الله ﷺ أصلًا.

  1. (١) وهو في «سننه» (٤٧١٧)، وقد تقدَّم تخريجه مفصَّلًا.
  2. (٢) أٌقحمت هنا في الأصل: «لا» خطأً، أو أنها تحريف عن «قد»، وليست في مصدر المؤلف.
  3. (٣) قول ابن حزمٍ هذا ليس في مطبوعة «الفصل»، ولا في نسخة مكتبة السليمانية الخطية المنسوخة سنة ٧٢٢ هـ (ق ٣٩٦)، فليُنظر.
  4. (٤) برقم (٤٧١٧) أيضًا. وانظر: «علل الدارقطني» (٧٩٤).
  5. (٥) في الأصل: «فيجب».
242

وأمَّا قوله: «إنَّ هذا الحديث قد روي بدون هذه اللفظة»، فلا يضُرُّه ذلك، لأنَّ الذي زادها ثقةٌ ثبتٌ لا مطعنَ فيه، وهو المعتمر بن سليمان، كيف وقد صرَّح بالسماع من داود بن أبي هند. واختصار ابن أبي عدي وعبيدة بن حميد لها لا يكون قادحًا في رواية مَن زادها١.

وأيضًا: لو لم يُذكر في السؤال لكان جواب النبي ﷺ شاملًا لها بعمومه، كيف وإنَّما كانت عادتُهم وَأْدَ الصِّغار لا الكبار! ولا يضرُّه إرسالُ الشعبي له.

وإنَّما الجواب الصحيح عن هذا الحديث أنَّ قوله ﷺ: «إنَّ الوائدة والموءودة في النار» جوابٌ عن تلك٢ الوائدة والموءودة اللَّتَين سُئِل عنهما، لا إخبارٌ عن كل وائدةٍ وموءودةٍ، فبعض هذا الجنس في النار، وقد يكون هذا الشخص من الجنس الذي في النار.

ويدلُّ عليه حديث بشر بن موسى، عن هوذة بن خليفة، عن عوفٍ، عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثتني عمتي: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة»٣. رواه جماعة عن عوف.

وأخباره ﷺ لا تتعارض، فيكون كلامه دالًّا على أنَّ بعض هذا الجنس

  1. (١) سبق في التخريج قريبًا أن عُبيدة بن حميد قد تابع المعتمر في إثبات هذه الزيادة كما عند ابن أبي عاصم في «الآحاد»، وأن الاختصار وقع في إسناد ابن حزمٍ من بعض الرواة ممن دون عُبيدة بن حميد.
  2. (٢) كذا في الأصل.
  3. (٣) تقدم تخريجه (ص ٢٣٥).
243

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي