في الجنة وبعضه في النار، وهذا هو الحقُّ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا اَلْمَوْءُ دَةُ سُئِلَتْ ٨ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، فهذا السؤال إنَّما هو إقامةٌ لحُجَّته سبحانه على تعذيب مَن وَأَدَها، إذ قتل نفسًا بغير حقِّها. وأمَّا حكمه سبحانه فيها هي، فإنَّه يحكم فيها بغير حكمه في الأبوين، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فصل
واحتجوا أيضًا على أنَّهم في الجنة بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم المديني، عن يزيد الرَّقَاشِي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «سألتُ ربِّي اللَّاهين من ذرية البشر أن لا يُعذِّبَهم، فأعطانيهم، فهم خَدَمُ أهل الجنة»١.
وبحديث عائشة ﵂ قالت: سألَتْ خديجةُ ﵂ النبي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «هم مع آبائهم»، ثم سألَتْه بعد ذلك، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، ثم سألَتْه بعد ذلك، فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾[الأنعام: ١٦٦]، فقال: «هم على الفطرة» أو قال: «هم في الجنة». ذكره أبو عمر في «الاستذكار»٢، ولم يذكر له إسنادًا، فيُنظَر في إسناده.
(١) أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٥٤٤) بإسناده عن يعقوب بن عبد الرحمن به. وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي، وسيأتي تخريجه مفصلًا (ص ٢٤٨).
(٢) (٨/ ٤٠١)، وأسنده في «التمهيد» (١٨/ ١١٧) من طريق أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عنها. وهذا إسناد واهٍ بمرَّة، أبو معاذ هو سليمان بن أرقم، متروك منكر الحديث. وقد ضعَّف إسنادَه الحافظ في «الفتح» (٣/ ٢٤٧).
ثم قال١: وآثار هذا الباب معارِضةٌ لحديث «الوائدة والموءودة في النار» وما كان مثلَه. وإذا تعارضت الآثار وجب سقوطُ الحكم بها، ورجعنا إلى الأصل: وهو أنَّه لا يعذِّب أحدًا إلا بذنبٍ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾[الأنعام: ١٣١]، وآيُ القرآنِ كثيرٌ في هذا المعنى. على أنَّي أقول: إنَّ الله ليس بظلَّام للعبيد، ولو عذَّبهم لم يكن ظالمًا لهم، ولكن٢ جَلَّ مَن تسمَّى بالغفور الرحيم الرؤوف الحليم أن يكون من صفته إلا حقيقة «لا إله إلا هو، لا يُسأَل عما يفعل».
قلت: وآثار هذا الباب الصحيحة ليس فيها بحمد الله تعارضٌ، وحديث «الوائدة والموءودة في النار» قد تقدَّم الجواب عنه.
ومعارضة الأحاديث الباطلة للأحاديث الصحيحة لا تُوجِب سقوطَ الحكم بالصحيحة، والأحاديثُ الصحيحة يصدِّق بعضُها بعضًا.
فصل
المذهب الرابع: أنَّهم في منزلة بين الجنة والنار. فإنَّهم ليس لهم إيمانٌ يدخلون به الجنة، ولا لآبائهم إيمانٌ يَتبَعُهم أطفالُهم فيه تكميلًا لثوابٍ وزيادةً في نعيم. وليس لهم من الأعمال ما يستحِقُّون به دخول النار، ولا من الإيمان ما يدخلون به الجنة، والجنة لا يدخلها إلا نفسٌ مؤمنةٌ، والنار لا يدخلها إلا نفسٌ كافرةٌ.